علوم قانونية وادارية علوم قانونية وادارية

اخر المواضيع

جاري التحميل ...

فســـــــخ العقـــد في القانــون المدنــي الجزائـري





 إن تعايش الأفراد داخل المجتمع لن يتأت إلا من خلال التعامل فيما بينهم في كل المجالات ، ولقد ترجمت أغلبية هذه المعاملات في شكل عقود ، مما جعل كل التشريعات الحديثة تهتـم  بهذا المصدر من مصـادر الالتـزام ، و تنظمه بوضعها لقواعد قانونية توضح شروطه ، أركانه ، وكيفية تنفيذه و الآثار المترتبة عنه .
و إذا نشأ العقد صحيحا فإنه يرتب إلتزامات تعاقدية  في ذمة طرف واحد إذا كان العقد ملزما لجانب واحد ، و قد يرتب إلتزامات تعاقدية في ذمة الطرفين إذا كان العقد ملزما للجانبين ، و هو النوع الذي يهمنا في مذكرتنا .
فإذا كنا بصدد هذا النوع الأخير من العقود، و أخل أحد المتعاقدين بتنفيذ إلتزاماته التعاقدية، أو استحال عليه تنفيذها بسبب أجنبي، فما هو موقف المتعاقد الآخر ؟ ، و هل تكون لديه طريقة يتحلل بها من التزاماته التعاقدية في مواجهة المدين المقصر في تنفيذ التزاماته ؟ .
 فلقد عالج المشرع الجزائري هذا الوضع من خلال سنّه لمجموعة من النصوص تشكل في مجملها القواعد العامة لفسخ العقد الملزم للجانبين ، و هذه المواد هي : 119 ، 120 ، 121 ، 122 قانون مدني و من خلالها يمكن أن نعرف الفسخ بأنه :
 حق كل متعاقد في العقد الملزم للجانبين في طلبه لحل الرابطـة العقديـة ، إذا أخل الطرف الآخر بالتزامـه ، و منه فهو جزاء  إخلال المتعاقد بالتزامه ليتحرر المتعاقد الآخر نهائيا من الالتزامات التي يفرضها عليه العقد .
و نجد أن المتعاقد الدائن بالالتزام الذي لم ينفذ يلجأ إلى الفسخ عادة في الحالات التي لا يريد فيها أن يتمسك بالدفع بعدم التنفيذ ، أو التي لا يكون فيها التمسك بالدفع ذا معنى ، أو التي يكون فيها قد تمسك بالدفع و لكن الطرف الآخر لم يقم بتنفيذ التزامه.
و ما نلاحظه هو أن القانون المدني الجزائري قد جمع الفسخ ، الانفساخ ، و الدفع بعدم التنفيذ تحت عنوان انحلال العقد (La Dissolution du Contrat ) في المواد من 119 إلى 123.
 و الفسخ الذي يبدو لنا الآن نظاما مسلما به في معظم القوانين الحديثة ، ما هو إلا ثمرة تطور طويل ، إذ لم يصل إلى ما هو عليه ، إلا بعد مروره بعدة مراحل ، و بمشاركة العديد من المصادر في تكوينه ، إلا أن القانون الروماني و باعتباره أساس القوانين لم يعرف قاعدة الفسخ لأن العقد ملزم للجانبين في هذا القانون كان ينشئ التزامات مستقلة بعضها عن بعض ، بمعنى انه لم يكن هناك تقابل و ارتباط بين هذه الالتزامات ، فإذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه ، فليس أمام المتعاقد الآخر إلا أن يطلب التنفيذ دون أن يكون في استطاعته التحلل من التزامه بطريق الفسخ . ثم تطور الوضع حيث أدخل الرومان في عقد البيع شرطا يجعل للبائع الحق في الفسخ إذا تخلف المشتري عن دفع الثمن ، و إقتصر الأمر حينذاك على هذا النطاق الضيق .
و أغلبية الفقهاء اعتبروا أن مصدر قاعدة الفسخ هو القانون الكنسي ، حيث ظهرت فكرة  الارتباط بين الالتزامات المتقابلة في العقد الملزم للجانبين ، و التي أملتها نظرية السبب في هذا القانون ، إلا أنه لم تكن هناك نصوص مكتوبة تنظم الفسخ على النحو المعروف في القوانين الحديثة .
أما الفسخ في الشريعة الإسلامية، فلا يعتبر جزاءا على إخلال أحد المتعاقدين بالتزامه ، كما هو الحال في القوانين الوضعية ، و إنما هو حل ينهي العقد غير اللازم بطبيعته كعقد الوكالة ، كما يعرف الفقه الإسلامي ما يسمى بالإقالة و هي اتفاق المتعاقدين على إنهاء العقد الصحيح ، عندما يبدو لأحد المتعاقدين أن يرجع عن العقد و لا تكون في استطاعته ذلك ، فيلجأ للمتعاقد الآخر للاتفاق معه على إنهاء هذا العقد .
أما فقهاء القانون المدني الفرنسي القديم ، فقالوا بجواز الفسخ لعدم تنفيذ الالتزامات المتولدة عن العقد حتى و لو لم يتضمن هذا العقد شرطا يقضي بفسخه ، غير أن القانـون المدني الحالـي " قانون نابليون " نص في المادة 1184 (1)  أن الشرط الفاسخ مفهوم ضمنا في العقود الملزمة للجانبين في حالة ما إذا لم يقم أحد المتعاقدين بما في ذمته من التزام ، و يبدو من هذا أن المشرع الفرنسي جعل الشرط الفاسخ الضمني هو الأساس الذي تقوم عليه قاعدة الفسخ و هذا ليس صحيحا ، إذ لو صح هذا لكان مقتضاه أن عدم قيام أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه يترتب عليه أن يتحقق الشرط فيقع الفسخ من تلقاء نفسه ، مع أن الفسخ لا يقع إلا بحكم أو اتفاق و للقاضي فيه سلطة تقديرية ، و لكل من المتعاقدين أن يغير موقفه في الدعوى كما سنرى .
فأساس الفسخ هو نظرية السبب ، إذ أن سبب الالتزام في العقد الملزم للجانبين هو الالتزام الذي يقابله ،و من ثمة فإن فكرة السبب هي التي تربط بين الالتزامين المتقابلين في هذا العقد ، بحيث إذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه حق للمتعاقد الآخر أن يتحلل من التزامه بالفسخ .
و باعتبار الفسخ طريقا لحل الرابطة التعاقدية إلا أنه ليس الوحيد لحلها ، بل توجد أنظمة قانونية أخرى يؤدي تطبيقها أيضا إلى انحلال العقد ،  ولكنها لا تدخل في مفهوم الفسخ بل تقوم على قواعد مختلفة ،و أهم هذه الأنظمة البطلان ، المسؤولية العقدية ، و الإقالة .
ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) : L’Article 1184/1 du Code Civil Français : « La condition résolutoire est toujours sous – entendue dans les contrats synallagmatiques ... »
فنجد أن كلا من الفسخ و البطلان يؤديان إلى زوال العقد بأثر رجعي ، غير أن الاختلافات الجوهرية بينهما تجعل لكل منهما قواعده و أحكامه الخاصة به ، فهما يختلفان من عدة نواحي :
*من حيـث السبـب : إذ أن سبب الفسخ يرجع إلى عدم تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزامه أو السبب الأجنبي في حالة الانفساخ ، أما سبب البطلان فإنه يرجع إلى تخلف أحد أركان العقد .
*من حيـث الوصـف : فإن الفسخ يكون لاحق لإبرام العقد ، بينما البطلان فهو معاصر لتكوينه كونه يرد على عقود لم تنشئ سليمة ، أما الفسخ فيرد على العقود الملزمة للجانبين بعد نشوءها صحيحة ، و منه فإن نطاق تطبيق البطلان أوسع من نطاق الفسخ كونه يرد على العقود الملزمة للجانبين و الملزمة للجانب الواحد .
كما أن سلطة القاضي التقديرية لا نجدها في البطلان ، إذ يجب الحكم به متى توفرت شروطه بينما في الفسخ خاصة القضائي ، فإن القاضي غير ملزم بأن يحكم به و له أن يرفضه طبقا للمـادة 119 قانون مدني .
أما عن الفسخ و المسؤولية العقدية فإن كلاهما يعتبر جزاءا يرتبه القانون على عدم تنفيذ المدين لالتزاماته التعاقدية ، غير أنهما يختلفان في أن الفسخ يتحقق في حالة ما إذا كان عدم التنفيذ راجعا إلى المدين أو إلى سبب أجنبي ، أما إذا كان عدم التنفيذ راجعا إلى المدين فقط فيحق للدائن استعمال حقه و المطالبة بترتيب المسؤولية العقدية ، و لا يمكنه ذلك في حالة السبب الأجنبي .
كما أن أساس التعويض في المسؤولية العقدية هو العقد لأنه مازال قائما ، بينما أساس الفسخ هو المسؤولية التقصيرية لأن العقد يزول بأثر رجعي .
أما الفسخ و الإقالة فإنه في الإقالة يجوز حل العقد بمجرد رضا الطرفين، دون الرجوع إلى القضاء لاستصدار حكم قضائي، أما في الفسخ خاصة في القضائي فلا بد من صدور حكم قضائي به، و إلا بقي العقد قائما و منتجا لآثاره القانونية .
كما أنه في حالة حل الرابطة التعاقدية بالإقالة فإنها تضع حد للعقد بالنسبة إلى المستقبل، و الالتزامات التي تكون قد ترتبت عن العقد قبل ذلك تبقى ملزمة للطرفين، في حين أن الفسخ فالالتزامات كلها تزول بأثر رجعي.
إضافة إلى أن سبب الفسخ هو عدم التنفيذ، في حين الإقالة لا يبحث في شأنها عن عدم التنفيذ، و لا علاقة له بها على الإطلاق.
و من خلال هذه النظرة المقارنة الموجزة للفسخ و الأنظمة المشابهة له، نستنتج أن للفسخ مبادئه المستقلة و أحكامه الخاصة به .

و بما أن موضوع مذكرتنا يتمحور حول فسخ العقد في القانون المدني الجزائري ، و أنه يتم إما بحكم قضائي ، بالاتفاق أو بقوة القانون ، و نظرا للاختلاف الذي يميز كل نوع منهم ارتأينا أن نقسم خطة البحث إلى ثلاثة فصول ، سنتطرق في كل فصل إلى نوع من أنواع  الفسخ وفقا لورودها في القانون المدني الجزائري :
    1- الفصل الأول: الفسخ القضائي
    2- الفصل الثاني : الفسخ الإتفاقي .
    3- الفصل الثالث : الفسخ بقوة القانون
و كل فصل حاولنا تقسيمه إلى مباحث نتطرق فيها لأهم الشروط و الإجراءات الواجب مراعاتها في كل نوع ، إضافة إلى سلطة كلا من القاضي و المتعاقدين في إيقاع الفسخ من عدمه ، و الآثار المترتبة على كل نوع سواء بالنسبة إلى المتعاقدين ، أو بالنسبة إلى الغير ، و هذا حسبما تبينه الخطة التالية :

















خطــة البحـــث
- الـمـقـدمـة
الفصـــل الأول : الفسـخ القضائـي
المبحـث الأول : تعريـف الفسـخ القضائـي ، شروطـه ، و إجراءاتـه .
       المطلـب الأول : تعريـف الفسـخ القضائـي ، و شروطـه .
       المطلـب الثانـي : إجراءات المطالبـة بالفســخ .
المبحـث الثانـي : سلطـة القاضـي التقديريـة في الحكـم بالفسـخ من عدمـه .
       المطلـب الأول : سلطــة القاضـي في منـح المدين أجلا للتنفيذ قبل الحكم بفسخ العقـد .
       المطلـب الثاني : سلطــة القاضـي التقديريـة في رفض طلب الفسـخ .
المبحـث الثالـث : حق الدائـن عن الخيـار بيـن الفسـخ و التنفيـذ.
      المطلـب الأول : نـزول الدائـن عن حقـه في الفسـخ .
      المطلـب الثاني : استعمـال الدائـن لأحد الدعوييـن – دعوى الفسـخ أو دعوى التنفيـذ -.
المبحـث الرابـع : حـق المديـن في التنفيـذ بعـد رفـع دعـوى الفسـخ .
      المطلـب الأول : موقف الفقـه مـن هذا الحـق .
      المطلـب الثاني : موقف المشـرع الجزائري من هذا الحـق .
المبحـث الخامـس : أثـار الفسـخ القضائـي .
      المطلـب الأول : أثـار الفسـخ القضائـي بالنسبة إلى المتعاقديـن .
     المطلـب الثاني : أثـار الفسـخ القضائـي بالنسبة إلى الغيـر .
الفصــل الثانــي : الفســخ الاتفاقـــي :
المبحـث الأول : تعريـف الفسـخ الاتفاقـي ، شروطـه ، إجراءاتـه .
      المطلـب الأول : تعريـف الفسـخ الاتفاقـي ، و شروطـه .
      المطلـب الثانـي : الإجراءات الواجبة في الفسـخ الاتفاقـي .
المبحـث الثانـي : سلطـة القاضـي التقديرية في الفسـخ الاتفاقـي  .
المطلـب الأول : تحقق القاضـي من الشروط الشكليـة.
المطلـب الثانـي : تحققه من الشرط الموضوعـي .
المبحـث الثالـث : مدى حق الدائـن في فسـخ العقد أو التمسك بالتنفيـذ .
      المطلـب الأول : حالة بدء الدائـن بطلب التنفيـذ .
      المطلـب الثانـي : حالة تمسك الدائـن بالفسـخ الاتفاقـي .
المبحـث الرابـع : مدى حق المديـن في التنفيـذ المتأخـر .
      المطلـب الأول : حالة قيام الدائـن باعذار مدينـه .
      المطلـب الثانـي : حالة عدم قيام الدائـن باعذار مدينـه .
المبحـث الخامـس : أثـار الفسـخ الاتفاقـي .
       المطلـب الأول : أثـار الفسـخ الاتفاقـي بالنسبة إلى المتعاقديـن .
       المطلـب الثانـي: أثـار الفسـخ الاتفاقـي بالنسبة إلى الغيـر .
الفصــل الثالــث : انفسـاخ العقـد بقـوة القانـون :
المبحـث الأول : تعريـف و شروط انفساخ العقـد بقـوة القانـون .
      المطلـب الأول : تعريـف انفساخ العقـد بقـوة القانـون .
      المطلـب الثانـي : شروط انفساخ العقـد بقـوة القانـون .
المبحـث الثانـي : سلطة كل من القاضـي و المتعاقديـن في إيقاع الانفساخ من عدمه .
      المطلـب الأول : سلطة القاضي التقديريـة في إيقاع الانفساخ من عدمـه.
      المطلـب الثاني : سلطة المتعاقدين في إيقاع الانفسـاخ من عدمـه .
المبحـث الثالـث : تحمل تبعة الانفسـاخ .
      المطلـب الأول : المقصـود بمبدأ تحمـل التبعـة.
      المطلـب الثانـي : تطبيقات هذا المبـدأ على بعض العقـود.
المبحـث الرابـع : أثـار انفسـاخ العقـد بقـوة القانـون .
      المطلـب الأول : أثـار الانفسـاخ بالنسبة إلى المتعاقديـن .
      المطلـب الثانـي : أثـار الانفسـاخ بالنسبة إلى الغيـر .
المبحـث الخامـس : الفروق المميزة للانفسـاخ عن كل من الفسـخ القضائـي و الاتفاقـي .
     المطلـب الأول : مـن حيـث الإجراءات .
     المطلـب الثانـي : مـن حيـث التعويـض .
- الخـاتـمــة .

   لقد تضمن القانون المدني الجزائري على غرار القوانين العربية و القانون الفرنسي ، نصوصا قانونية تحدد الطرق التي يفسخ بها العقد الملزم للجانبين.
فنصت المـادة 119 منه : " في العقود الملزمة للجانبين ، إذا لم يوف أحد المتعاقدين بالتزامه جاز للمتعاقد الآخر بعد اعذراه المدين أن يطالب بتنفيذ العقد أو فسخه مع التعويض في الحالتين إذا اقتضى الحال ذلك .
و يجوز للقاضي أن يمنح المدين أجلا حسب الظروف، كما يجوز له أن يرفض الفسخ إذا كان ما لم يوف به المدين قليل الأهمية بالنسبة إلى كامل الالتزامات " .
كما نصت المـادة 120 على أنه :" يجوز الاتفاق على أن يعتبر العقد مفسوخا بحكم القانون عند عدم الوفاء بالالتزامات الناشئة عنه بمجرد تحقق الشروط المتفق عليها و بدون حاجة إلى حكم قضائي ، و هذا الشرط لا يعفي من الإعذار الذي يحدد حسب العرف عند عدم تحديده من طرف المتعاقدين " .
و نصت المـادة 121 على أنه : " في العقود الملزمة للجانبين إذا انقضى التزام بسبب استحالة تنفيذه انقضت معه الالتزامات المقابلة له و ينفسخ العقد بحكم القانون " . (1)
و من خلال هذه النصوص يتضح لنا أن فسخ العقد قد يكون أمام القضاء و هذا هو الأصل حسب معظم التشريعات الحديثة إلا القانون الألماني , الذي جعل الفسخ بإرادة الدائن المنفردة هو الأصل حسبما تنص عليه المادة326من قانونه المدني.
كما قد يكون الفسخ بالاتفاق، أو بحكم القانون وفقا للمـادتين 120 ، 121 المذكورتين أعلاه .
-و ما يهمنا في هذا الفصل هو الفسخ القضائي طبقا لما تمليه المـادة 119 قانون مدني ، و التي تعتبر أن الفسخ أمرا اختياريا للدائن ، فله أن يطالب به ، أو يطلب تنفيذ العقد ، فإذا اختار الدائن المطالبة بالفسخ ، فإن هذا الأخير لا يقع بمجرد إخلال الطرف الآخر بالتزامه و إنما لا بد من حكم قضائي ، و الذي تكون فيه للقاضي سلطة تقديرية في الاستجابة له أو رفضه .
فما هو الفسـخ القضـائي ؟  ما هي سلطة كل من القاضـي و المتعاقديـن في إيقاع هذا النوع من الفسـخ من عدمـه ؟ و ما هي الآثار المترتبة عنـه ؟
هذا ما سنحاول التطرق إليه من خلال هذا الفصـل: 


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)     : قانون رقم 05‑10 المؤرخ في :20‑06‑2005 المعدل و المتمم للامر رقم 75‑58 المؤرخ في 26‑09‑1975 و المتضمن القانون المدني.
المبحــث الأول : تعريــف الفسـخ القضــائي ، شروطـه ، و إجراءاتـه :
كما سبقت الإشارة إليـه أن فسخ العقـد يتقرر بعدة طـرق وفقا للقـانون المدنـي، و أول طريـق هو الطريق القضائي ،  فما هو الفسـخ القضائي ؟ ما هي شروطـه ؟ و ما هي إجـراءات إيقاعه ؟ هذا ما سنحـاول الإجابة عليه في هذا المبحث :
المطلــب الأول : تعريـف الفسـخ القضـائي ، و شروطـه :
الفـرع الأول : تعريـف الفسـخ القضـائي :
    المقصود من فسخ العقد عن طريق القضاء ، هو ضرورة لجوء الدائن بالالتزام الذي لم ينفذ إلى القضاء من أجل المطالبة بحل العلاقة التعاقدية لكي يحق له بعد ذلك التحلل من التزاماته نحو المتعاقد الآخر الذي لم يقم بتنفيذ ما رتبه العقد من التزامات على عاتقه .
 و معظم التشريعات جعلت فسخ العقد أمام القضاء هو الأصل ، و استثناءا فسخه بإرادة المتعاقدين ، و الحكمة من هذا هو تفادي ما يقع من أحد المتعاقدين من ظلم إذا استعمل الفسخ بإرادته ، أي يفصل لنفسه بنفسه بما يحقق مصلحته على حساب المتعاقد الآخر فيفسخ العقد و يتخلص من التزاماته ، بينما لو رفع الأمر إلى القضاء ممكن ألا يقع الفسخ نظرا لما للقاضي من سلطة تقديرية في الفسخ كما سوف نراه في حينه .
كما أن القاضي أدرى من الناحية القانونية بتوافر الحق في الفسخ من عدمه، و ليس له علاقة بالعقد، و منه يكون حكمه أكثر نزاهة من المتعاقد الذي هو طرف في العقد المراد فسخه.
و إنه عند قراءتنا لنص المـادة 119 من القانون المدني الجزائري قراءة سطحية ، يبدو لنا أنها لم تنص صراحة على تدخل القضاء للحكم بالفسخ ، كما هو الحال بالنسبة للقانون المدني الفرنسي (1) ، غير أن هذا الشك يزول بالنظر إلى عبـارة " يطالب بتنفيذ العقـد أو فسخه " . فهي تفيد الفسخ القضائي لأن المطالبة تكون أمام القضاء، و كذلك عبارة " و يجوز للقاضي أن يمنح المدين أجلا حسب الظروف، كما يجوز له أن يرفض الفسخ....." فهي تؤكد أن حل الرابطة التعاقدية في العقود الملزمة للجانبين يكون بحكم القاضي .





ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)   : Article 1184/3 du code civil français : " la résolution doit être demandée en justice... "                
و من هذا يعني أن اللجوء إلى القضاء هو القاعدة العامة التي تقوم عليها نظرية فسخ العقد في القانون المدني الجزائري (1) غير أن هذا الأصل  و رد عليه استثناء في نص المـادة 120 التي تقضي بجواز الفسخ الاتفاقي دون لجوء المتعاقد إلى القضاء .
و بعـد هـذا التعريـف الموجز للفسخ القضائـي و حتى نتمكن من الإلمام أكثر بمضمونه سنتطرق إلى شروطه في الفرع الموالي:
الفـرع الثـاني : شـروط المطالبـة بالفسـخ :
نصت المـادة 119 قانون مدني جزائري : " في العقـود الملزمة للجانبيـن ، إذا لم يوف أحد المتعاقدين بالتزامه جاز للمتعـاقد الآخـر بعد اعذراه المدين أن يطالب بتنفيذ العقد أو فسخـه ، مع التعويـض في الحالتيـن إذا اقتضي الحال ذلك .
و يجوز للقاضي أن يمنح المدين أجلا حسب الظروف ، كما يجوز له أن يرفض الفسخ إذا كان ما لم يوف به المدين قليل الأهمية بالنسبة إلى كامل الالتزامات " .
فمن استقراء نص هذه المـادة ، يتضح أنه لكي يكون الفسخ جائزا من الناحية القانونية و حتى يثبت للدائن حق المطالبة به ، ينبغي توافر ثلاثة شروط ، اثنين منهما يصرح بهما نص المـادة ، و الشرط الثالث تقتضيه طبيعة المطالبة بالفسخ  و هذا ما سنعالجه في هذا الفرع .
1-أن يكون العقد من العقود الملزمة للجانبين : فهو شرط عام في جميع أنواع الفسخ ، سواء كان الفسخ بحكم القاضي ، بحكم الاتفاق  أو بحكم القانون ، و منه فليست كل العقود قابلة لطلب الفسخ و ذلك لان هذه الاخيرة متعددة الأنواع و ليست كلها ملزمة للطرفين بل هناك  ما هو ملزم لجانب آخر .
و الحكمة من هذا الشرط أن العقود الملزمة للجانبين ، هي وحدها التي تنشأ عنها التزامات متقابلة (2) فقد يحدث بعد إنشائها أن يكون  أحد المتعاقدين قد بدأ بتنفيذ التزاماته أو نفذها ، دون المتعاقد الآخر ، فهنا يثبت للأول حق طلب فسخ العقد ، حتى يتسنى له التحلل من التزاماته أو أن يسترد ما يكون قد قدمه دون أن يحصل على مقابل .



ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : الأستـاذ : بلعيور عبـد الكريـم – نظرية فسخ العقد في القانون المدني الجزائري المقارن – المؤسسة الوطنية للكتاب –   طبعة 2001.
(2) المـادة 55 قانون مدني جزائري: «يكون العقد ملزما للطرفين ، متى تبادل المتعاقدين الالتزام بعضهما البعض. »
أما العقود الملزمة لجانب واحد فهي لا تنشئ التزامات متقابلة بل تستقل فيها التزامات كل من المتعاقدين و يترتب على ذلك أنه لا فائدة من طلب الفسخ بالنسبة للدائن ، إذ ليس في ذمته أي التزام  يتحلل منه بالفسخ ، بل مصلحته هي أن يبقى متمسكا بالعقد و يطالب بتنفيذه .(1)
 و إذا كانت العقود الملزمة للجانبين هي وحدها التي يرد عليها الفسخ ، فإن الفسخ من جهة أخرى يرد عليها جميعا سواء كانت عقود زمنية أو فورية ، بالرغم من أن هناك اختلاف حول هذه الأخيرة فيما يخص الأثر الرجعي للفسخ فيها ،و الذي سنتكلم عنه في حينه .
2- أن يكون أحد المتعاقدين قد أخل بالتزامه : لا يكفي لجواز طلب فسخ العقد أن يكون من العقود الملزمة للجانبين ، بل لا بد إلى جانب ذلك أن يكون هناك إخلال من جانب أحد المتعاقدين بالتزاماته التعاقدية الناشئة عن ذات العقد المراد فسخه .
فيجب أن يكون التنفيـذ قد أصبح مستحيـلا بفعل المديـن، أو أنه لا يزال ممكنا و لكن المدين لم يقم بالتنفيذ نتيجة خطأه المتعمد أو إهماله، أما إذا كان عدم التنفيذ يرجـع إلى سبب أجنبي فإن التزام المدين ينقضي، و ينقضي بذلك الالتـزام المقابـل له و ينفسـخ العقد بحكـم القانون ، أي " انفساخـا " و هو ما سنتطـرق إليه في الفصل الثالث من مذكرتنا .
و يستوي أن يكـون عدم التنفيـذ نهائيا أو جزئيـا  - و يعتبـر في حكـم عدم التنفيذ الجزئي أن يكون التنفيذ معيبا – (2) فهناك يكون للدائن حق المطالبة بالفسخ و يبقى للقاضي استعمال سلطته التقديرية إما بالحكم بالفسخ إذا كان الجزء الباقي دون تنفيذ يبرر الحكم به ، أو إعطاء مهلة للمدين لتكملة التنفيذ .
كما يمكن للقاضي أن يحكم بفسـخ العقد كلـه إذا كان التزام المـدين لا يتحمل التجزئـة، أو كان يحتملها و لكن الجزء الباقي دون تنفيذ هو الجزء الأساسـي من الالتـزام، أو الحكـم بفسخ العقـد يقتصـر على جـزء منه مع بقاء الجزء الأخر.
3- أن يكون طالب الفسخ مستعدا للقيام بالتزامه و قادرا على إعادة الحال إلى أصلها:
فيجب أن يكون طالب الفسخ مستعدا للقيام بالتزامه الناشئ عن العقد المراد فسخه ، فليس عدلا أن يخل هو بالتزاماته ثم يطلب الفسخ لعدم قيام المدين بتنفيذ ما في ذمته من التزام ، أما إذا استحال على الدائن تنفيذ التزامه لسبب أجنبي فإن العقد ينفسخ بحكم القانون .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1): الدكتور : عبد الرزاق أحمد السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني – مصادر الالتزام ، دار إحياء التراث العربي –  ص : 699 .

(2) : الدكتور : عبد الرزاق أحمد السنهوري – المرجع السابق  – ص : 701 .
كما يستخلص من نص المـادة 122 قانون مدني أنه من الآثار القانونية التي يرتبها فسخ  العقد هي إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التقاعد ، و انطلاقا من هذا يقع على عاتق طالب الفسخ أن يكون قادرا على إعادة الحالة إلى ما كانت عليه  قبل إبرام العقد ، و النتيجة المترتبة على ذلك أنه إذا كان الدائن قد قبض أو تسلم شيئا من المتعاقد الآخر كتنفيذ جزئي للعقد ثم طلب فسخه لأن المتعـاقد الآخر لم يقم بتنفيذ ما تبقى من التزامه ، فيجب عليه أن يكون قادرا على رد ما أخذه .
أما إذا  كان لا يستطيع الرد كأن يكون قد تصرف فيما أخذه عن طريق البيع مثلا ، فيؤدي هذا إلى فقدان حقه في المطالبة بالفسخ و لا يبقى له إلا المطالبة بالتنفيذ  لأن هذا هو الأصل و ما الفسخ إلا طريق احتياطي يلجأ إليه المتعاقد
أما إذا كان المدين هو الذي استحال عليه أن يرد الشيء إلى أصله، فإن ذلك لا يمنع من الفسخ، و يحكم على المدين في هذه الحالة بالتعويض كما سنوضحه فيما بعد.
و بناءا على ما تقدم فإن الفسخ القضائي لا يكون صحيحا إلا بتوافر الشروط السالفة الذكر ، و رغم هذا فإن تحقق هذه الشروط لا يكفي لفسخ العقد ، و إنما يعطي المتعاقد الحق في طلب الفسخ من القضاء بعد إتباع إجراءات قانونية معينة نتطرق إليها في المطلب الموالي :
المطلـب الثـاني : إجـراءات المطالبـة بالفسـخ :
قد تتوفر الشروط القانونية السالفة الذكر ، فيكون من حق المتعاقد طلب الفسخ من القضاء و لكي يقع هذا الفسخ – القضائي – لا بد عليه من إتباع إجراءات معينة يمكن أن نبينها من خلال الفروع التالية:
الفـرع الأول : اعـذار المديـن :
تنص المـادة 119/1 قانون مدني : " في العقود الملزمة للجـانبين ، إذا لم يـوف أحد المتعاقديـن بالتزامـه جاز للمتعاقد الأخر بعد اعذراه المدين أن يطالب بتنفيذ العقد أو فسخه ، مع التعويـض في الحالتيـن إذا اقتضـى الحال ذلك " .
كما تنص المـادة 179 من نفس القانـون على : " لا يستحـق التعويـض إلا بعـد إعذار المدين ما لم يوجد نص مخالف لذلك ."
و يتضح لنا من خلال هاتين المادتين ، أنه يجب على الدائن قبل رفعه لدعوى طلب الفسخ أن يقوم باعذار المتعاقد الآخر ، مطالبا إياه بتنفيذ التزاماته الناشئة عن العقد الذي ينوي فسخه (1).  
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
1‑قرار المحكمة العليا – الغرفة المدنية – رقم : 115182 مؤرخ في : 21‑03‑1994 – ملحق رقم :01 .
و تبرز أهمية الإعذار ، في أنه يعتبر دلالة قاطعة على إثبات إخلال المدين بالتزاماته ، و بالتالي يخول للدائن الحق في مطالبة المدين بالتعويض عن الأضرار التي لحقته بسبب عدم التنفيذ و ذلك من يوم الاعذار ، إضافة
إلى أنه يجعل القاضي أسرع في الاستجابة إلى طلب الفسخ (1) .
إلا أنه هناك حالات يعفى فيها الدائن من هذا الإجـراء، و هي الحالات التي ذكرتها المـادة 181 قانون مدني ، و علة إعفاءه  أن الفائدة تنتفي  عندئذ ، و مادامت الغاية قد انتقت فلا داعي للوسيلة .
 و ما لاحظنـاه من خلال تدريبنا الميداني لدى مجـلس قضـاء المسيلـة ، أن الدعوى التي يرفعها الدائن لفسخ العقد – قضائيا – دون أن يكون قد سبقها إعذار ، فهي مقبولة لأن الدعوى في حد ذاتها تعتبر إعذارا للمدين بوجوب تنفيذ التزاماته.
و هي لاتعتبر كذلك إذا كان الدائن طلب  الفسخ مع التعويض ففي هذه الحالة القضاة يطالبون بالاعذار ، و إلا استجابوا لطلبه المتعلق بفسخ العقد دون طلب التعويض .
الفـرع الثـاني : رفـع الـدائن لدعـوى الفسـخ :
نستخلـص هذا الإجراء مـن عبـارة  " أن يطالب بتنفيـذ العقد أو فسخـه ..." الـواردة في المـادة 119 ،  و يقصد بكلمة " يطالب " المطالبة القضائية .
فقد يحدث أن يقوم الدائن بإعذار مدينه إلا أن هذا الأخير لا يقوم بتنفيذ التزاماته ، و منه يقوم الدائن برفع دعوى أمام القضاء ، و الحكمـة من هذا الإجراء أنه يعقب الإعذار الموجه للمدين تسامـح بينه – المدين - و الدائن في عدم التنفيذ أو التأخير فيه .
و منه يتضح أن الإعذار وحده غير كافي للفسخ بل لابد إلى جانبه رفع دعوى قضائية التي تعتبر ضمان لصاحب الحق من اجل حماية حقه ، و وسيلة من وسائل الحماية القانونية ، و منه لا يجوز الاتفاق على حرمان أحد الطرفين من رفعها ، لأن مثل هذا الاتفاق يجعل الدائن تحت رحمة المدين إن شاء نفذ التزامه ،و إن لم يشأ فليس هناك وسيلة لحمله على ذلك .
إلا أنه رغم أهمية دعوى الفسخ ، فهذا لا يعني أنها تبقى قائمة ، و لكن من جهة أخرى ليست لها مدة خاصة تتقادم بها ، فتتقادم  إذن بمضي 15 سنة من وقت ثبوت الحق في لفسخ ، و يكون ذلك عادة من يوم الاعذار ، طبقا للقواعد العامة في التقادم المسقط  .
فهل قيام الدائن بالاعذار ، ثم رفعه لدعوى الفسخ هو كافي لإيقاع الفسخ ؟ في الواقع أنه لا بد من صدور حكم قضائي يقضي بالفسخ كما سنبينه فيما يلي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1):الدكتور :رمضان أبو السعود : مصادر الالتزام‑ دار الجامعة الجديدة – طبعة 2006 ص 288 .
الفـرع الثـالث : ضـرورة صـدور حكـم يقضـي بالفسـخ :
على الدائن الذي رفع دعوى الفسخ ألا يعتبر نفسـه متحللا من التزاماته نحو المـدين بمجرد تحقـق الشـروط و الإجراءات السالفة الذكر ، بل لا بد من صدور حكم قضائي يقضي بفسخ العقد (1).
و تكمن ضرورة صدور حكم قضائي بالفسخ في أنه قد يحدث بعد رفع الدعوى أن يقوم المدين بالتنفيذ ، و بالتالي لا يكون هناك فسخ ، و قد لا يستجيب القاضي إلى طلب الفسخ بما أن له سلطة تقديرية في إيقاع الفسخ من عدمه استنادا لنص المـادة 119 /2 قانون مدني إضافة إلى ذلك فإنه ممكن للدائن الذي تقدم إلى القضاء بطلب فسخ العقد ، أن يعدل عن هذا الطلب و يتمسك بالتنفيذ قبل أن يصدر الحكم .
و منه فإن الحكم القضائي الصادر بفسخ العقد ، يحقق النتيجة المرجوة و هي تحلل الدائن من التزاماته نحو المدين ، و بالتالي يكون حكما منشئا للفسخ ، و هذا هو الفرق الذي يميز الفسخ القضائي عن بقية أنواع الفسخ الأخرى كما سنبينه فيما بعد ، و التي يكون فيها الحكم القضائي مقررا للفسخ .
و بعد تحديدنا للشروط و الإجراءات الواجب احترامها لإيقاع الفسخ القضائي ، يجب أن نقول أن القاضي غير ملزم بأن يحكم بالفسخ ، بل له سلطة تقديرية في هذا المجال و التي قد تضيق أو تتسع بحسب الظروف ، و هذا ما سنتطرق إليه في المبحث الموالي : 










ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1‑ قرار المحكمة العليا – الغرفة المدنية رقم : 310830 مؤرخ في: 19‑10‑2005 –ملحق رقم :2 .

المبحـث الثـاني: سلطـة القاضـي التقديريـة في الحكـم بالفسـخ مـن عدمـه:
نصت المـادة 119/2 من القانون المدني: " و يجوز للقاضي أن يمنح المدين أجلا حسب الظروف، كما يجوز له أن يرفض الفسخ إذا كان ما لم يوف به المدين قليل الأهمية بالنسبة إلى كامل الالتزامات."
يستفاد من هذا النص أن القاضي ليس مجبرا على الحكم بالفسخ ، بل له سلطة تقديرية في مجال الفسخ القضائي، إذ يجوز له أن يمنح المدين أجلا للتنفيذ، وثانيا، ممكن له رفض طلب الفسخ معتمدا في ذلك على معيارين.
هذا ما سنتطرق إليه في هذا المبحث الذي قسمناه إلى مطلبين حسب موقف القاضي اتجاه الدائن طالب الفسخ :
المطلـب الأول: سلطـة القاضـي في منـح المديـن أجلا للتنفـيذ قبـل الحكـم بفسـخ العقـد:
قد تتوافر للدائن الشروط القانونية لفسخ العقد ، و يقوم بجميع الإجراءات الواجب إتباعها ليتحلل من الالتزامات التي رتبها العقد على عاتقه ، غير أن القاضي قد لا يحكم له فورا بالفسخ ، و إنما يقوم بمنح المدين أجلا لعله يقوم بالتنفيذ خلاله ، مما يجعل الفسخ لا مبرر له ، إذا ما قام المدين بالتنفيذ خلال الأجل ، لأن الغرض الأصلي من إبرام العقود هو تنفيذها و ليس فسخها ، و لكن هل الأجل الذي يمنحه القاضي وفقا للمادة 119/2 هو نفسه الأجل المنصوص عليه في المـادة 281/2  من القانون المدني ؟.
الفـرع الأول : الفـرق بين الأجل الوارد في المـادة 119 و الأجل الوارد في المـادة 281 قانون مدني :
إن سلطة القاضي في منح المدين أجلا في الواقع، هي استثناء عن القاعدة العامة التي تقتضي بأن لكل متعاقد الحق في طلب الفسخ لعدم تنفيذ المتعاقد الأخر لالتزاماته التعاقدية الواردة في المـادة 119/1 من قانون المدني المتعلقة بالفسخ القضائي .
لكن القـانون المـدني الجزائري ، زيـادة على ما جـاء في المـادة 119/2 السالفـة الذكـر ، نص في المـادة 281/2 : " غير أنه يجوز للقضاة نظرا لمركز المدين و مراعاة للحالة الاقتصادية ، أن يمنحوا أجالا ملائمة للظروف دون أن تتجاوز هذه المدة سنة ".  مما يدل أن للقاضي سلطة في منح المدين أجلا لتنفيذ التزامه  لكن أي المادتين يطبق عندما يمنح المدين أجلا بصدد دعوى الفسخ ؟ هذا ما يجعلنا نتطرق للاختلافات الموجودة بين الأجل المنصوص عليه في المادتين السابقتين .
إن الأجل الذي جاءت به المـادة 281/2 يكون بصدد دعوى التنفيذ، و أساسه هو قواعد العدالة، والتخفيف من شدة القاعدة التي تقضي بأن العقد شريعة المتعاقدين الواردة في نص المـادة 106 قانون مدني .
و منه لا يجوز للقاضي منح المدين أجلا في حالة دعوى المطالبة بالتنفيذ ، إلا في حالات خاصة تتطلبها حالته الاقتصادية أو مركزه المالي ، إضافة إلى أنـه لا يمكن أن تتعدى مدته سنة , و ألا يكون مخالفا لنص قانوني أخر  أو يؤدي التأجيل إلى إلحاق ضرر بالدائن .
أما الأجل الممنوح وفقا للمـادة 119، فيكون بصدد دعوى الفسخ، و من ثم فأساسه هو الحد من صرامة الفسخ باعتباره جزاء و وسيلة خطيرة يترتب على استعمالها أثار خطيرة بالنسبة للعقد.
و منه فمنح المدين أجلا للتنفيذ يمكن بواسطة تفادي ما يقع من جراء فسخ العقد، خاصة إذا كان هذا المدين حسن النية بالنسبة للتأخير، و أنه لا يلحق – التأخير – بالدائن  أي ضرر .
 كما يمكن أن نضيف أن الأجل الممنوح وفقا لدعوى التنفيذ هو من النظـام العام ، فلا يجـوز للمتعاقدين الاتفاق على استبعاده (1) ، أما هذا الاتفـاق فهو جائـر لو كنا بصـدد دعوى الفسـخ ، خاصة في الفسخ الاتفاقي كما سنبينه لاحقا .
لكن هل يجوز للقاضي دائما أن يمنح المدين أجلا للتنفيذ ؟ أم هناك حالات مقيدة لسلطته في هذا الشأن ؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في الفرع الموالي :
الفرع الثاني : الحالات المقيدة لسلطة القاضي في منحه المدين أجلا للتنفيذ :
إن سلطة القاضي التقديرية في منح المدين أجلا للتنفيذ ،لا ينبغي أن يبالغ فيها ، إذ يوجد حالات لا يجوز للقاضي أن يمهل المدين كما لو كان هذا الأخير ملتزما بعدم القيام بعمـل و لكنه قام به ، إذ يصبح التنفيذ المتعاقد من أجله مستحيلا ، مما يجعل منح الأجل لا فائدة منه .
كذلك إذا التزم المدين بالقيام بعمل في وقت معين ثم لم يقم به في الوقت المتفق عليه، مما يجعل التنفيذ بعد ذلك لا فائدة منه بالنسبة للدائن، و منه فلا فائدة من إعطاء المدين أجلا للتنفيذ.
كذلك المدين سيئ النية، فلا يجوز للقاضي أن يمهله، لأن الأصل في تنفيذ العقد هو حسن النية طبقا لنص المـادة 107 قانون مدني، و منه يجب مجازاته بجزاء مشدد لا أن يعامل معاملة حسنة.
و يتضح لنا مما سبق بأن منح المدين أجلا للتنفيذ أمر متروك للقاضي المعروض أمامه النزاع فإذا تبين له فائدة منه منحه له ، أما إذا تبين له أنه لا جدوى منه حكم بالفسخ دون منحه أجلا ، لكن ما يجب الإشارة إليه أنه في حالة منح القاضي للمدين أجلا للتنفيذ .
فهذا لا يعني أنه يصدر حكما بشأن الأجل ، و حكما أخر بشأن الفسخ ، و إنما يصدر حكما واحدا يقضي بفسخ العقد إذا انقضت المدة الممنوحة للمدين دون التنفيذ من تاريخ صدور الحكم ، أي بمجرد انتهاء المدة الممنوحة يصبح الدائن طالب الفسخ متحللا من الالتزامات التي كانت على عاتقه نحو المدين .
هل سلطة القاضي التقديرية تقتصر فقط على منح المدين أجلا للتنفيذ من عدمه ؟ أم تتعداه لغير ذلك ؟ هذا ما سنجيب عليه في المطلب الثاني من هذا المبحث:
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : الدكتور : عبد الرزاق أحمد السنهوري – المرجع السابق – ص : 707 :
المطلب الثاني : سلطة القاضي التقديرية في رفض طلب الفسخ :
نصت المـادة 119 في فقرتها الأخيرة من القانون المدني أنه : " .... كما يجوز له أن يرفض الفسخ إذا كان ما لم يوف به المدين قليل الأهمية بالنسبة إلى كامل الالتزامات ."
من خلال هذه الفقرة يتبيـن لنا أن للقاضـي دورا هاما في تقدير جسامـة عدم التنفيذ التي أدت بالدائن إلى المطالبة بفسخ العقد .
فممكن أن يكون عدم التنفيذ المدعى به من الدائن كليا ، أي أن المدين لم ينفذ جميع الالتزامات التي رتبها العقد على عاتقه ، و في مثل هذه الحالات غالبا ما يستجيب القاضي لطلب الفسخ ، كما يمكن أن يكون عدم التنفيذ جزئيا ، و هنا تظهر أهمية سلطة القاضي التقديرية في تقدير جسامة عدم التنفيذ ، و حتى يصل الى معرفة درجة هذه الجسامة عليه الاستعانة بمعيارين ، سنبينهما من خلال الفرعين المواليين .
الفرع الأول : اعتماده المعيار الذاتي في رفض طلب الفسخ :
و مؤداه أن القاضي عند تقديره لجسامة عدم التنفيذ ، يأخذ في اعتباره بنية الدائن ، فإن وجد أن عدم التنفيذ و لو أنه جزئي يحرم الدائن من أداء يعتبر في نظره – الدائن – أهم عنصر في العقد كان ذلك كافيا لأن يحكم بالفسخ ، أما إذا لم يجد هذه الأهمية ، فممكن أن يرفض طلب الفسخ .
و لقد وردت في القانون المدني الجزائري عدة تطبيقات لهذا المبدأ، نذكر منها على سبيل المثال ما ورد في المـادة 365 منة: " .... لا يجوز للمشتري أن يطلب فسخ العقد لنقص في المبيع ، إلا إذا أثبت أن النقص يبلغ من الأهمية درجة لو كان يعلمها المشتري لما أتم البيع ".
كما نصت المـادة 370 من نفس القانـون :" إذا نقصت قيمة المبيع قبل التسليم لتلف أصابه، جاز للمشتـري ، إما أن يطلب فسخ العقد ، إذا كان النقص جسيمـا ، بحيث لو طـرأ قبل العقد لمـا أتم البيع ، و إما أن يبقـي البيع مع إنقاص الثمن ".
و حسب هاتين المـادتين يتبين أن المعيار الذاتي يعتبر الأساس الذي يستعين به القاضي  عند تقديره لأهمية عدم التنفيذ التي تسبب فيها المدين .
و ما يجب ملاحظته هو أن هذا المعيار شخصي محض ، فما يعتبره أحد الدائنين مهما و مفيدا في عقد من العقود الملزمة للجانبين ، قد لا يراه دائن أخر على هذا الوجـه ، لهذا على القاضي أن يأخذ بإرادة كل دائن على حدة ، و ليس إرادة الدائن العادي (1) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : الأستا : بلعيور عبد الكريم – المرجع السابق – ص : 186 .
إلا أنه لا يمكن أن نأخذ بهذا المعيار على إطلاقه ، إذا أنه لا يمكّن القاضي من الوصول إلى الحقيقة في جميع الحالات ، و أن عدم التنفيذ قد يتخذ صورا متعددة لا يمكن الاعتماد فيها دائما على المعيار الذاتي ، بل لا بد من الاستعانة بقواعد موضوعية توضح كمية الالتزامات التي تنفذ بالنسبة إلى كامل الالتزامات التعاقدية التي نفذت   و هو  ما يطلق عليه " المعيار الموضوعي " .
الفـرع الثـاني : اعتمـاده المعيـار الموضوعـي في رفـض طلـب الفسـخ :
المقصود بالقواعد الموضوعية أن القاضي المعروض عليه طلب الفسخ ، و عند تقديره لمدى جسامة عدم التنفيذ ، أن يعتد بكمية الالتزامات التي نقضت من جملة الالتزامات الناشئة عن العقد  المراد فسخه .
و لقد أورد المشرع الجزائري تطبيقات لهذا المعيار ، عند تنظيمه لعقد الإيجار ، نذكر منها ما ورد في نص المـادة 477 قانون 07-05 (1) : " إذا سلمت العين المؤجرة في حالة لا تكون فيها صالحة للاستعمال التي أجرت من أجله ، أو طرا على هذا الاستعمال نقص معتبر ، جاز للمستأجر أن يطلب فسخ الإيجار أو إنقاص بدل الإيجار بقدر ما نقص من الاستعمال مع التعويض عن الضرر في الحالتين إذا اقتضى الأمر ذلك " ، و من خلال هذه المـادة يتضح لنا أن المشرع أعطى للدائن بالإلتزام في هذه الحالات الحق في طلب الفسخ عندما يكون النقص في الاستعمال نقصا معتبرا .
لذلك يجب على القاضي المعروض عليه طلب الفسخ، و لكي يقدر مدى جسامة عدم التنفيذ أن يعتد بكمية الالتزامات التي نقصت من جملة الالتزامات الناشئة عن العقد المراد فسخه، و التي على ضوءها يستطيع أن يحكم بفسخ العقد أو يرفض الطلب.
و هكذا و من خلال ما سبق يتضح أن القاضي ليس مجبرا على الحكم لصالح من تقدم بطلب الفسخ ، و إنما له سلطة تقديرية في ذلك ، فقد يحكم لصالح الدائن بفسخ العقد ، و بالتالي يتحلل – الدائن – من التزاماته اتجاه المدين تبعا لذلك ، و قد يرفض الفسخ فيبقى العقد قائما و الدائن ملتزما ، و الوصول إلى اتخاذ أحد الحكمين لا بد للقاضي أن يستعين تارة بالمعيار الذاتي و تارة بالمعيار الكمي مع عدم التوسع في الأخذ بهذا الأخير ، و إلا أصبح الفسخ القضائي كالفسخ  بقوة القانون ، بحيث إذا ما توافرت نسبة معينة ،  يصبح القاضي ملزما بالحكم بالفسخ ، و هذا ما يتنافى مع السلطة التقديرية للقاضي في حالة فسخ العقد فسخا قضائيا .

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : قانـون رقم : 07-05 المؤرخ في 13-05-2007 المـعدل و المتمم للأمر رقم : 75-58 المـؤرخ في 26-09-1975  و المتضمن القانون المدني .
كما يجب الإشارة إلى أنه ممكن للقاضي أن يتخذ موقفا وسطا بين فسخ العقد كليا ، أو رفضه كليا ، وذلك بأن يفسخ جزءا منه ، و يبقى بقية الأجزاء الأخرى ، و يتحقق هذا الحل عندما تكون العقود الملزمة للجانبين متضمنة أداءات متتابعة ، كعقود التوريد ، فهي تنشأ مجموعة التزامات مستقلة بعضها عن بعض ، و كل مجموعة منها – الالتزامات – تحقق مصلحة المتعاقدين و لو لم تنفذ جميع الأجزاء الأخرى ، غير أن القاضي لا يجوز له الحكم بالفسخ الجزئي إذا تمسك الدائن بأهمية ما لم ينفذ بالنسبة إليه مطبقا في هذا المعيار الذاتي السابق الذكر في الفرع الأول من هذا المطلب ، إلا أن هذا النوع من الفسخ – الجزئي – لم نجد له تطبيقات من خلال تدريبنا الميداني .

و إذا كان الفسخ كما سبق بيانه أنه لا يقع إلا بحكم من القاضي الذي لديه سلطة تتسع و تضيق بحسب الأحوال ، فهل يجوز للمتعاقد الدائن أن يعدل عن طلب الفسخ ؟ و إذا كان من حقه العدول عنه فهل يجوز له ذلك في جميع مراحل الدعوى ؟ .
















المبحـث الثالـث : حـق الدائـن في الخيـار بيـن الفسـخ و التنفيـذ :
إن مصلحة الدائن بالالتزام الذي لم ينفذ يجب أن يترك تقديرها له وحده، فهو أدرى من غيره، و من القضاء أيضا بالنسبة إلى اختيار الوسيلة التي تحقق له الحماية القانونية لحقوقه.
فهل ممكن للدائن أن ينزل عن حقه في الفسخ ؟ و هل إذا استعمل أحد الحقين – طلب الفسخ أو التنفيذ – يترتب عليه ضياع حقه في استعمال الطريق الآخر ؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه من خلال هذا المبحث :
المطلـب الأول : نـزول الدائـن عن حقـه في الفسـخ :
و فيـه يجب التفرقـة بين فرضيـن، الأول يحصـل النـزول فيه قبـل تحقق عدم التنفيـذ، و الثاني يتفق فيه على النزول بعد ذلك.

الفـرع الأول : نـزول الدائـن عن حقـه في الفسـخ قبل تحقـق عـدم التنفيـذ :
من خلال دراستنا لهذه النقطة وجدنا اختلاف الآراء حولها فالمراجع المصرية تجيز التنازل عن الحـق فـي الفسخ (1) طالما أن الدائن هو صاحب هذا  الحق ، فله أن يستعمله أو يمتنع عنه ، إضافة إلى أن دعوى الفسخ لا تتعلق بالنظام العام ، و منه يجوز التنازل عنها و يكتفي الدائن بدعوى التنفيذ .
أما ما وجدناه في المراجع الجزائرية (2) ، و التي هي أقرب إلى المنطق حسب رأينا ، إذ أنها تذهب إلى عدم جواز النزول عن حق طلب الفسخ قبل تحقق عدم التنفيذ ، و ذلك لعدة اعتبارات قانونية منها :
1- إن نظرية الفسخ قامت أساسا من أجل حماية الدائن بالالتزام الذي لم ينفذ ، و إذا قلنا بجواز النزول عن طلب الفسخ قبل تحقق عدم التنفيذ ، فإن النظرية تصبح تخدم مصلحة المدين أكثر من الدائن ، و يصبح المدين يشترط على الدائن النزول عن حقه مسبقا .
2- صحيح أن هناك قواعد قانونية تقضي بأن الشخص حر في استعمال حقه أو التنازل عنه، غير أن هذا القول لا يصدق إلا إذا كانت الحقوق مكتسبة بصفة نهائية.
و لما كان الحق في طلب الفسخ، لا يثبت للمتعاقد الدائن بالالتزام إلا بعد حدوث واقعة عدم التنفيذ من طرف المتعاقد المدين، فلا يصح القول بجواز النزول عن طلبه قبل نشوئه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1): الدكتور عبد الحميد الشواربي – فسخ العقد في ضوء القضاء و الفقه – دار الكتاب الحديث – الطبعة : 1990 – ص : 44 .
(2) : الأستاذ : بلعيور عبد الكريم – المرجع السابق – ص 198 .
3- كذلك إذا سلمنـا بجواز الاتفاق على عدم طلب الفسـخ من الدائن عند عدم التنفيـذ ، فهذا يتنـافى مع روح نظرية الفسـخ باعتبارها وسيلـة من وسائل الحمـاية القانونية ، و منه التضييق من الوسائل التي قررها القانون لحماية الدائن ، بحيث لا يصبـح أمام هذا الأخير إلا وسيلـة واحـدة لمواجهة المـدين المتقاعس عن التنفيـذ ، و هي دعوى التنفيذ .
 و من خلال هذه الاعتبارات نخلص إلى عدم جواز النزول عن حق طلب الفسخ قبل وقوع عدم التنفيذ ، إذ ليس من ورائه حلول للمسائل القانونية التي تقع بعد عدم التنفيذ من طرف المدين ، لكن هل يؤدي بنا هذا إلى القول أنه لا يجوز للدائن النزول عن حقه في طلب الفسخ حتى بعد تحقق عدم التنفيذ ؟ هذا ما سنجيب عنه في الفرع الموالي :
الفرع الثاني : نزول الدائن عن حقه في الفسخ بعد تحقق عدم التنفيذ :
لقد اتجه الفقه الحديث إلى جواز نزول الدائن عن حقه في طلب الفسخ بعد تحقق عدم التنفيذ من المدين ، لأنه بمجرد تحقق عدم التنفيذ ، و توافر الشروط القانونية للمطالبة بالفسخ قضائيا السالفة الذكر ، فإن الدائن يكتسب هذا الحق بصفة نهائية .
لذلك فإنه لا مانع من الناحية القانونية و رغم تحقق شروط المطالبة بفسخ العقد من أن يكتفي المتعاقد الدائن بالمطالبة بالتنفيذ، فيكون ذلك تنازلا منه عن حقه في طلب الفسخ.
غير أنه يجب ألا يستنتج النزول عن حقه طلب الفسخ ضمنيا ، فلا يستنتج مثلا من مجرد سكوت الدائن مؤقتا عن المطالبة بالفسخ ، و لا من تسامح المؤجر مع المستأجر الذي تأخر عن دفع الأجرة ، أو مما شابه السكوت من الملابسات و الظروف ، التي تحيط بالدائن .
ذلك أن هذا التفسير يؤدي إلى حرمان الدائن من حماية حقوقه رغم إدارته ، و هو ما لا يجوز وفقا لمنطق نظرية فسخ العقد .
و عليه يجب أن يكون النزول عن حق طلب الفسخ صريحا، أو تدل عليه دلائل لا تدع مجالا للشك فيه.
المطلب الثاني : استعمال الدائن لأحد الدعويين – دعوى الفسخ أو دعوى التنفيذ ­­:
طبقا للقواعد العامة أن استعمال إحدى الدعويين، يستنفذ الحق في رفع الدعوى الثانية إذا كان سبب كل الدعويين واحدا، و كانا يستهدفان غاية واحدة .
و لما كانت الغاية ليست واحدة في كل من دعوى الفسخ ، و دعوى التنفيذ فليس ما يمنع استعمال الدعويين إحداهما بعد الأخرى (1).
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : الدكتور : عبد الحميد الشواربي – المشكلات العملية في ﺘﻨﻔﻴﺫ العقد – دار الفكر العربي , طبعة: 1988 – ص: 44 .
الفرع الأول: حالة بدء الدائن باستعمال دعوى التنفيذ :
لا يمنع على الدائن إن بدء برفع دعوى التنفيذ، أن يعود فيرفع دعوى الفسخ تأسيسا على:
1- أن المطالبة بالتنفيذ لا يجوز اعتبارها نزولا من الدائن عن حقه في الفسخ ، لأن الفسخ ذو طابع احتياطي لا يلتجأ إليه إلا عندما ينفذ على الدائن أن يحصل من المدين على تنفيذ الالتزام .
2- أن عدم التنفيذ هو عنصر جوهري في المطالبة بالفسخ، فما دام المدين لم يقم بالتنفيذ لا يجوز أن يفقد الدائن حقه في الفسخ.
3- إذا كان طلب التنفيذ أمام المحكمة، فيجوز للدائن أن يعدل عن طلب التنفيذ إلى طلب الفسخ مادام أن المدين لم يقم بتنفيذ التزامه.
لكن هل يمكن للدائن أن يعدل عن طلب الفسخ أمام المجلس القضائي بعد حصول استئناف في حكم المحكمة ؟ .
لقد اتجه الفقه الحديث أنه يستوي الأمر سواء كان العدول عن طلب الفسخ أمام المحكمـة أو أمام المجلس القضائي  ، لأن الطلب الذي يتقدم به الدائن أمام المجلس يعتبر من الطلبات العارضة التي أجازها قانون الإجراءات المدنية ، لأنه متصل و مرتبط بأصل الدعوى و لا يعتبر طلبا جديدا .

الفرع الثاني : حالة بدء الدائن باستعمال دعوى الفسخ :
يجوز للدائن الذي رفع دعوى الفسخ أن يمنع هذا الفسخ باستبداله لطلبه بطلب التنفيذ ، خاصة و أن الفسخ القضائي و كما سبق ذكره أنه لا يقع إلا بعد استصدار حكم قضائي .
أما إذا صدر هذا الحكم  و حاز قوة الشيء المقضي ، و أصبح نهائيا ، فإنه لا يجوز للدائن بعد ذلك أن يعدل عن الفسخ إلى طلب التنفيذ ، لأن الرابطة التعاقدية التي كانت موجودة ، و محلا للنزاع ، لم تعد موجودة في نظر القانون و منه فلا معنى لهذا العدول .

و بعد أن عرفنا أن الأمر جوازي بالنسبة للقاضي في حالة الفسخ القضائي ، و للدائن دور في إيقاع الفسخ من عدمه قبل صيرورة الحكم القضائي نهائيا ، فهل يستطيع المدين تفادي الفسخ بعد رفع الدعوى ؟ هذا ما سنتطرق إليه في المبحث الموالي :



المبحـث الرابـع: حق المديـن في التنفيـذ بعد رفع دعـوى الفسـخ :
إذا رفع الدائـن بالالتزام دعوى الفسـخ، و قبل صدور حكـم قضائي يقضي به، قد يتراجـع المدين عن موقفـه، مبديا رغبته في تنفيذ التزاماته.
فإذا أجزنا للمدين التنفيذ، فإنه يترتب عليه تعطل دعوى الفسخ، لأن أهم شروطها قد تخلف و هو شرط عدم التنفيذ، أما إذا منعناه من التنفيذ المتأخر فإننا نكون قد حرمناه من تفادي فسخ العقد.
و في هذا الصدد انقسم الفقه إلى رأيين، رأي يقول بأحقية المدين في ممارسة هذا الحق، و رأي معارض لهذه الفكرة ، و هذا ما سنبينه في المطلب التالي :
المطلـب الأول : موقـف الفقـه من هذا الحـق :
كما سبق القول أن الفقه بشأن هذا الحق اختلف , فهناك من يعترف للمدين بحقه في التنفيذ إذا رفعت ضده دعوى الفسخ ,و هناك من لا يجيز له ذلك:
 الفـرع الأول : أنصـار هذا الحـق :
يتجه الفقه العربي بدون استثنـاء ، إلى إعطاء المدين حق التنفيذ إذا كان الدائن قد رفع دعوى المطالبـة بالفسـخ ،  ما دام الأمر لا يزال بيد القضاء و لم يصدر بشأنه حكمـا نهائيـا (1) ، و هذا ليتفادى فسـخ العقد سواء أمام المحكمة أو أمام المجلس القضـائي ، مادام الباب لا يزال مفتوحـا للنظر في الدعوى و ليس في ذلك ما يخالف قواعد العدالة بل يحققها .
ذلك أنه لا يعقل أن يعطى للدائن في العلاقة التعاقدية حق الخيار بين طلب الفسخ ، أو العدول عنه إلى طلب التنفيذ ، و لا يعطى للمدين حق تنفيذ التزامه الأصلي تنفيذا متأخرا ،مادام لا يزال ممكنا ، و مفيدا للطرفين معا .
و إن القول بعدم جواز التنفيذ بعد رفع دعوى الفسخ ، و قبل أن يصدر حكم قضائي يقضي بالفسخ ، قد يلحق بالمدين أضرارا لا مبرر لها ، خاصة إذا كانت الادعاءات محل التنفيذ من الأشياء التي يصيبها التلف ، و بالتالي فإذا حرمنا المدين من عدم التنفيذ المتأخر ، فكأننا حكمنا عليه مسبقا بخسارة لا مبرر لها ، في حين أن جواز التنفيذ يجنبه هذه الخسارة و يخدم مصلحة الطرفين في غالب الأحيان .
هذا هو اتجاه الفقه و القضاء العربيين، و جانب من القضاء في فرنسا، فما هو موقف القضاء في الدول الأخرى؟.


ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : الأستاذ : بلعيور عبد الكريم – المرجع السابق – ص : 204 .
الفـرع الثـاني: معارضـو هذا الحـق:
تبنى هذا الرأي كل من الفقهاء الايطاليين و جانب من الفرنسيين ، و حسبهم أنه لا يجوز للمديـن المقصّر في تنفيذ التزاماته التعاقديـة ، أن يعرقـل دعوى الفسخ التي اختارها المتعاقـد الدائن لحل الرابطـة التعاقديـة ، ذلك أن حق الخيار المقرر قانونا ، هو لصالح الدائن ، و ليس لصالح المدين ، و منه فليس من العـدل أن ننقل هذا الحق إلى المدين .
إضافة إلى أن الفسخ حسب أنصار هذه الفكرة يقوم على أساس الشرط الفاسخ الضمني، و منه فلا فائدة من التنفيذ بعد تحققه لأنه لا وجود للعقد أصلا.
و هناك العديد من القوانين التي تأثرت بهذا الرأي و نصت عليه في قوانينها ، و منها ما جاء في المـادة 1453/2 من القانون المدني الإيطالي :" لا يجوز للمدين الذي أخل بتنفيذ التزاماته نحو الدائن ، أن يقوم بتنفيذها إبتداءا من رفع دعوى الفسخ من طرف المتعاقد الدائن بالالتزام الذي لم ينفذ ".
و ما يؤخذ على هذا الرأي ، هو أنه صحيح أن نظرية فسخ العقد قد وجدت من أجل حماية المتعاقد الذي يحترم الالتزامات المترتبة عن العقد ، لا المتعاقد الذي يخل بها ، غير أن هذا لا يعني أن عدم التنفيذ ، هو الذي يفسخ العقد ، بل الحكم القضائي هو الذي يحققه ، و منه فإن حماية المدين من فسخ العقد ما دام أنه مستعد للتنفيذ لا يتنافى مع منطق نظرية الفسخ .
كما أن القول بأن أسـاس الفسخ هو الشـرط الفاسخ الضمنـي ، قول غـير صحـيح ، و منه فالعقد لا زال قائما و يجوز تنفيذه .
فما هو موقف المشرع الجزائري من هاذين الرأيين ؟ و في حالة تبنيه لأحد الرأيين ، هل أخذ به على إطلاقه ؟ .
المطلب الثاني : موقف المشرع الجزائري من هذا الحق :
بعد تعرفنا على موقف الفقه من حق المدين في التنفيذ بعد رفع دعوى الفسخ ، سنحاول من خلال هذا المطلب معرفة ما هو الرأي الذي تبناه المشرع الجزائري ؟ و هل عند تبينه لأحد الرأيين اخذ به على إطلاقه ؟ هذا ما سنبينه من خلال الفرعيين المواليين :
الفرع الأول : الرأي المتبنى من طرف المشرع الجزائري :
على الرغم من أن المـادة 119 قانون مدني ، المنظمة للفسخ القضائي ، لم تنص صراحة ، على حق المدين في تفادي الفسخ بعد رفع الدعوى عليه من طرف الدائن ، إلا أن مضمونها يفرض على القاضي الأخذ بالتنفيذ الذي يقدمه المدين ، قبل صيرورة الحكم القضائي نهائيا .
أي ممكن للمدين في مجال المطالبـة بفسخ العقد قضائيـا ،  أن يتفـادى إيقاع الفسخ ، و لـو وصل الأمر إلى القضاء.
هذا ما يبين لنا أن المشرع الجزائري ساير الرأي المؤيد لحق المدين في التنفيذ بعد رفع دعوى الفسخ، و حسنا فعل ، كون دعوى الفسخ التي ترفع للقضاء ، و يزول سببها هو عدم التنفيذ ، يجعل القاضي يحكم يرفضها .
و منه المشرع استقر على أن المدين الذي يقوم بتنفيذ التزامه يمنع الحكم بالفسخ مادام التنفيذ مازال مفيدا، لكنه لم يأخذ هذا الرأي على إطلاقه و إنما قيد المدين لتفادي دعوى فسخ العقد بكيفية لتنفيذ التزاماته فما هي هذه الكيفية ؟
الفرع الثاني : كيفية تنفيذ المدين لالتزاماته من أجل تفادي فسخ العقد :
إن التنفيذ الذي يعتد به قضاءا ، حتى يستطيع المدين تفادي إيقاع الفسخ ، يجب أن يكون تنفيذا حقيقيا ، كأن يقوم بعرض الأداء الملزم به أمام المحكمة ، و إيداعه في خزانتها ، فإن لم يكن ثمة تنفيذ فعلي أو عرض حقيقي مشفوع بالإيداع ، فممكن للقاضي المعروضة عليه دعوى الفسخ أن يستجيب لطلب الدائن في فسخ العقد .
و يجب إضافة إلى هذا أن يكون التنفيذ كاملا ، ذلك أن الدائن ليس مجبرا على قبول الوفاء الجزئي ، وهو                                                                                                                                                                               ما تقضي به المـادة 277 قانون مدني : " لا يجبر المدين الدائن على قبول وفاء جزئي لحقه ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك ".
و كخلاصة لما سبق التطرق إليه ، فإن فسخ العقد قضائيـا ، لا يتحقـق إلا باتخاذه طريقا لحل الرابطة التعاقديـة من طرف المتعاقد الدائن ، و تبريره بحكـم قضائي ، وعـدم تفاديه من طـرف المديـن على النحـو الذي بيناه في هذا المبحث .
و منه فإذا توافرت شروط الفسخ القضائي ، و اتبعت إجراءاته المحددة قانونا ، و صدر حكم قضائي نهائي يقضي به ، فإنه ستترتب عنه أثارا ، سواء بالنسبة للمتعاقدين أو للغير وهذا  ما سنتطرق إليه في المبحث الموالي








المبحث الخامس : أثار الفسخ القضائي :
تنص المـادة 122 من القانون المدني : " إذا فسخ العقد أعيد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد ، فإذا استحال ذلك جاز للمحكمة أن تحكم بالتعويض " .
ما يمكن ملاحظته أن نص هذه المـادة جاء عام ، يبين ما يترتب على الفسخ من أثر ، سواء كان الفسخ بحكم القاضي  أو بحكم الاتفاق  أو بحكم القانون ، إلا أنه و بما أننا بصدد دراسة الفسخ القضائي ، فسوف نحاول حصر إلا الآثار التي تترتب على الفسخ الذي يكون الحكم القضائي هو المنشئ له .
و يستفاد من خلال ما تطرقنا إليه سابقا أن العقد إذا ما تحقق فسخه بحكم قضائي انتهى وجوده القانوني بالنسبة إلى المستقبل ، و تزول أثاره بالنسبة إلى الماضي بأثر رجعي .
و نظرا لخطورة هذا الأثر الذي يرتبه الفسخ القضائي ، ارتأينا أن نتطرق إليه في مطلبين ، سنخصص الأول لأثر هذا الفسخ بالنسبة لكل من الدائن و المدين باعتبارها طرفي العقد المفسوخ ، أما المطلب الثاني فسنخصصه لأثر الفسخ بالنسبة إلى الغير .
المطلب الأول : أثار الفسخ القضائي بالنسبة إلى المتعاقدين :
القاعدة العامة في الفسخ هي زوال العقد بأثر رجعي ، أي إعادة الحال إلى ما كانت عليه  قبل التعاقد ، فهل يمكن تطبيق هذه القاعدة في جميع الأحوال و على جميع العقود ، و للإجابة على هذه الأسئلة ارتأينا تقسيم هذا المطلب إلى ثلاثة فروع :
الفرع الأول : زوال العقد بأثر رجعي :
يترتب على فسخ العقد كقاعدة عامة و هي انحلال العقد و زواله بأثر رجعي ، و منه إعادة المتعاقدين إلى الوضع الذي كانا عليه قبل التعاقد (1)، فالدائن الذي لم يتلقى أي شيء من مدينه يتحلل من التزاماته التعاقدية ، فلا يرّد للمدين شيئا و لا يسترد منه شيئا ، إلا أنه قد يحصل و أن يتلقى الدائن بعض الأداءات من المدين كتنفيذ جزئي للعقد قبل فسخه ، فهنا عليه أن يرد ما تلقاه من المدين لأن العلاقة التعاقدية التي كانت تربطهما قد انتفت ، ولا يجوز له أن يحتفظ به ، و إلا كان حكمه حكم من قبض غير مستحق .
و في نفس الوقت الذي يكون فيـه الدائن مطالـب برد ما قبضه من المديـن له أن يسترد ما كان قد قدمه لمدينه كتنفيذ للعقد قبل فسخه .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1‑قرا المحكمة العليا – الغرفة المدنية – رقم : 257742  مؤرخ في : 06‑02‑2002 – ملحق رقم : 03 .
و قد يحدث أن يفسخ  العقد ، و يسترد الدائن ما كان قد قدمه لمدينه ، و مع ذلك  يلحقه ضرر ، ففي هذه الحالة يثبت له وحده – الدائن – حق المطالبة بالتعويض إلى جانب الفسخ ، كون الفسخ لا يكفي لإزالة الأضرار اللاحقة به جراء عدم التنفيذ ، كما لو كان العقد المفسوخ هو عقد بيع و تغيرت أسعار المبيع في السوق ، فانخفض ثمنها خلال فترة بقاء المبيع بيد المدين ، و هذا ما نصت عليه صراحة المـادة 119 قانون مدني .
و إن التعويض الذي يكون من حق الدائن ، إلى جانب تحلله من التزاماته التعاقدية نتيجة فسخ العقد لا يقوم على أساس  المسؤولية العقدية ، و إنما يقوم على أساس المسؤولية التقصيرية (1) ، لأن العقد عند فسخه يزول بأثر رجعي ، و يعتبر كأنه لم يكن ، غير أن التعويض الذي يحصل عليه الدائن إلى جانب مطالبته بالتنفيذ  يكون على أساس المسؤولية العقدية لأن العقد لا يزال قائما و لم يفسخ .
كما يجب الإشارة انه إذا تم فسخ العقد ، و استرداد الدائن لما قدمه إلى المدين ، فهنا لا يحق للدائنين الآخرين أن يزاحموه فيما استعاده لأن الفسخ يخول للدائن مركزا ممتازا على خلاف المطالبة بالتنفيذ التي يخضع فيها لقسمة  الغرماء كبقية الدائنين الآخرين .
كما أن فسخ العقد يعطي للدائن الحق في حبس الأداء الذي يكون قد قدمه له المدين إلى أن يحصل على حقه منه
و على هذا الأساس ، فإن كلا من المتعاقدين يسترد ما دفعه ، فإذا كان العقد بيعا و فسخ ، رد المشتري المبيع إلى البائع بثمراته ، و بالمقابل يرد البائع الثمن إلى المشتري ، فإذا كان المدين في هذا العقد هو المشتري ، فمن حقه أن يسترد ما أدخله من تحسينات نافعة على المبيع ، و كذلك النفقات التي أنفقها .
و يترتب أيضا على الفسخ أنه يمكـن للمديـن أن يجري المقاصـة مع الدائـن عندما يتعلـق الأمر بالنقـود ، و الهدف  من جواز هذه المقاصة هو تقصير الطريق على المديـن في عدم إجبـاره على دفع ما بذمتـه ، ثم سعيه من ناحية أخرى إلى الحصول على حقـه ، لكن لا تجـوز هذه المقاصـة إلا إذا كـان الدينـان المتقابلان نقدا عند كلا من المتعاقدين .
هذه هـي الآثـار التي ترتبها قاعدة إعادة المتعاقدان إلى الحالـة التي كانا عليها قبـل التعاقـد، لكن ما الحكم إذا استحالت إعادتهما على الحـالة التي كانا عليهمـا من قبل ؟ هذا ما سنحـاول الإجابـة عليه في الفرع الثاني من هـذا المطلـب :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1‑ الدكتور : عبد الرزاق أحمد السنهوري : المرجع السابق : ص 711 .

الفرع الثاني: استحالة إعادة المتعاقدين إلى ما كانا عليه من قبل :
قد يتحقق الفسـخ ، و يزول العقد بأثر رجعي ، إلا أن إعادة المتعاقدين إلى الوضع الذي كانا عليه قبل التعاقد ، يستحيل تحقيقه من الناحية العلمية ، كما هلك المبيع في يد المشتري ثم وقع الفسخ لصالح البائع ، ففي هذه الحالة ، بالرغم من انحلال الرابطة التعاقديـة ، فإنه لا يمكـن القول بإعادة الطرفيـن إلى الحالـة التي كانـا عليها قبـل التعاقـد ، و من ثم لا يستطيـع الدائن الحصول على الأداء الذي يكـون قدمـه للمديـن قبـل الفسـخ ، أو المدين للحصول على ما كان قد قدمه للدائن.
و أمام هذا الوضع قام المشرع الجزائري بوضع استثناء على القاعدة العامة ، و أجاز فيها للقضاء الحكم بالتعويض عندما تتعدر إعادة المتعاقدين إلى ما كان عليه من قبل ، إذ تنص المـادة 122 قانون مدني : " إذا فسخ العقد أعيد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد فإذا استحال ذلك جاز للمحكمة أن تحكم بالتعويض"
و يفهم من خلال نص هذه المـادة ، أنه إذا لم يستطع المدين رد الأداء الذي قبضه من الدائن عينا ، كما في المثال السابق أي لو هلك المبيع في يد المشتري – المدين – يتعين عليه أن يرد بدلا منه تعويضا عادلا .
غير أنه لا يجب الخلط بين التعويض الوارد في هذه المـادة ، و التعويض الوارد في المـادة 119 من نفس القانون، و التي أجازت فيه التعويض لصالح الدائن ، إذ التعويض وفقها يحكم به القاضي في جميع الحالات التي يرى فيها أن التعويض ضروري لجبر الضرر ، بغض النظر عن استحالة الرد أو عدم استحالته .
و إذا كانت القاعدة العامة التي يرتبها الفسخ، كما سبق ذكره، هي إعادة المتعاقدان إلى ما كان عليه من قبل، فهل تطبق نفس القاعدة حين يكون العقد الذي فسخ من عقود المدة ؟.
الفرع الثالث: حكم الأثر الرجعي للفسخ في عقد المدة :
كما سبق ذكره في شروط الفسخ ، أن فسخ العقد يشمل جميع العقود الملزمة للجانبين ، و الفقه اتفق على هذه النقطة ، إلا أنه إختلف من ناحية الأثر الرجعي لعقود المدة .
فهناك من يرى أن الفسخ عندما يرد عل عقود المدة لا يسري بأثر رجعي (1)، أي يكون أثره قاصرا على إنهاء العلاقة التعاقدية بالنسبة إلى المستقبل، و هذا لعدة أسباب نذكر منها:
 أن هناك استحالة تمنع من رد الأشياء إلى أصلها، كما أن طبيعة العقد الزمني تترتب عنها أن المدة التي انقضت كما في عقد الإيجار قبل فسخه تبقى محتفظة بآثارها، و ما انقضى منه لا يمكن الرجوع فيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1‑الدكتور :سليمان مرقس – أصول الإلتزامات‑ الجزء الأول في مصادر الإلتزام – دار الفكر العربي طبعة :1960 ص:456.
*الدكتور : عبد الرزاق أحمد السنهوري – المرجع السابق – ص:712 .
بينما يرى فريق أخـر خاصة الفقه الفرنسـي (2)، أن الأثر الرجعـي الذي يرتبـه الفسخ واحد دون تمييز بين عقود المدة، و العقود الفورية.
أما إذا رجعنا لموقف المشرع الجزائري، فنجد أن المـادة 122 قانون مدني،  جاءت قاطعة في الدلالة على أن الفسخ يزيل العقد بأثر رجعي، دون أن تستثني فئة معينة من العقود.
و أن استحالة رد المتعاقدين إلى ما كانا عليه قبل التعاقد في حالة فسخ عقد المدة، قد تعرض لها المشرع و وضع لها حلا، و هذا عندما أجاز الحكم بالتعويض عند استحالة رد الطرفين إلى الوضع الذي كان عليه قبل إبرام العقد
 و لم يفرق في هذا المجال أيضا بين استحالة الرد التي قد تقع في العقود الفورية و التي تقع في عقود المدة ، بل اشترط المشرع فقط أن تكون العقود ملزمة للجانبين .
و إذا كان فسخ العقد بالنسبة إلى المتعاقدين، هو إعادة الوضع إلى ما كانا عليه من قبل، و إذا استحال ذلك، حكم القاضي بالتعويض، فما هي أثار الفسخ بالنسبة للغير ؟.
المطلـب الثانـي: أثـار الفسـخ القضائي بالنسبـة إلى الغيـر:
القاعدة العامة في نظرية الفسخ هي أن الأثر الرجعي الذي يترتب على فسخ العقد ، لا يقتصر على زوال العقد و ما نشئ عنه من التزامات بالنسبة إلى أطرافه فحسب بل يتعداه إلى الغير .
الفـرع الأول: زوال حقـوق الغيـر:
طبقا للقاعدة العامة السالفة الذكر، فإنه لا يترتب عليها أن الغير إذا ما تلقى حقا من أحد المتعاقدين، و كان هذا الحق متعلقا بالشيء محل العقد المفسوخ، فإنه يزول بزوال حقوق و التزامات المتعاقد المتعامل معه.
فمثلا ، إذا كنا بصدد عقد بيـع ، و باع المشتري الشيء المبيـع إلى مشتـر ثان ، أو رتب عليـها حقا عينيا كحق ارتفاق أو حق انتفـاع ، ثم طالـب البائع بفسخ البيـع ، و تم الحكـم له به ، هنا يرجـع الشيء المبيع إليه خاليا من هذه الحقوق .
و إذا كان الفسخ يؤدي إلى زوال العقد و تبعا لذلك ، ما نتج عنه من التزامات و حقوق بأثر رجعي سواء بالنسبة إلى المتعاقدين أو بالنسبة للغير ، وفقا للقاعدة العامة ، إلا أنه هناك استثناءات ترد على هذه القاعدة ، و مؤداها أن فسخ العقد بين المتعاقدين لا يؤثر دائما على حقوق الغير ، بل هناك حالات لا يتأثر فيها الغير بالفسخ والتي سنحاول ذكر بعضها في الفرع الموالي :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
2‑ Marty et Raynaud : Droit Civil, tome 2 , volume 1( Les Obligations), Paris 1962.

الفـرع الثانـي : الاستثناءات الـواردة على قاعـدة زوال حقـوق الغيـر :
إذا كانت القاعدة العامة التي يرتبها فسخ العقد على النحو السابق بيانه ، هي زوال العقد بأثر رجعي ، سواء في مواجهة المتعاقدين أو بالنسبة إلى الغير ، فإنه يجب عدم الأخذ بهذه القاعدة العامة على إطلاقها ، في مواجهة الغير ، لأنه قد يكون من بين الغير من هو جدير بالحماية و الرعاية من أثر فسخ العقد .
1- حالة الغير الذي اكتسب حقا عينيا على منقول بحسن نية :
إذا تلقى الغير منقولا من أحد المتعاقدين بموجب عقد صحيح ، فإنه يكون في منأى عن الفسخ الذي يقع بين المتعاقدين ، و لكن هذا شرط أن تتوافر فيه حسن النية  ، حتى نتمكن من تطبيق قاعدة الحيازة في المنقول سند الملكية طبقا للمادة 835 قانون مدني ، و حسن النية هذا مفترض حتى يقوم الدليل العكسي ، لأن الحيازة في حد ذاتها تعتبر قرينة على وجود السند الصحيح كما تبينه الفقرة الثالثة من نفس المـادة ، و منه إذا أثبت عكسها      و انتفت حسن النية تزول تبعا لذلك حماية الغير من اثر الفسخ .
2- حالة الغير الذي تقرر له حق على عقار و شهره وفقا للقانون:
إن المشرع الجزائري، وفقا للقانون 74/75 (1) و في المادتين 15، 16 اعتبر الشهر وسيلة للاحتجاج بكل ما يتعلق بالحق العيني من إنشاء، أو نقل أو تعديل، أو انقضاء فيما بين المتعاقدين، و بالنسبة للغير.
فالغير الذي تقرر له حق عيني على عقار بحسن نية و قام بشهر حقه ففسخ عقد سلفه لا يؤثر على حقوقه ، لأنه يعتبر حسن النية بمجرد قيامه بالشهر ، إلا أنها تعتبر قرينة بسيطة تقبل إثبات العكس ، و من ثم يمكن إثبات سوء نية الغير الذي قام بشهر حقه ، كما لو قام به ، و هو يعلم أن العقد الذي يربطهما يهدده سبب من اسباب الزوال كالفسخ مثلا,كما ان الغيرالذي قام بالشهر بعد تسجيل دعوى الفسخ ، أو التأشير بها على هامش العقد فإنه لا ينجو من أثر الفسخ لأن حسن النية يكون بذلك قد انتفى .(2)
3- حالة الغير الذي ترتب لصالحه رهن رسمي:
قد يحدث أن يرتب المشتري رهن تأميني على العقار الذي اشتراه، لدائن مرتهن حسن النية و الذي تبين له فيما بعد أن الملكية زالت من سلفه لأن العقد الذي كان يربط المتعاقدين ) أي المشتري و البائع ( قد تم فسخه.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1‑ قانون: 74­­-75 المتعلق بإعداد مسح الأراضي و تأسيس السجل التجاري الصادر بتاريخ : 12‑11‑1975 .
2‑الدكتور: عبد الرزاق أحمد السنهوري – المرجع السابق – ص : 713 .
و إن المشرع الجزائري على غرار باقي التشريعات الحديثة قام بحماية هذا الدائن المرتهن و هذا ما نستشفه من المـادة 885 قانون مدني : " يبقى صحيحـا لمصلحة الدائن المرتهـن ، الرهن الصـادر من المـالك الـذي تقرر إبطـال سنـد ملكيتـه ، أو فسخه ، أو إلغـاؤه أو زواله لأي سبب أخر ، إذا ثبـت أن الدائن كان حسـن النية وقت إبرام عقـد الرهـن ".
و على هذا الأساس، يبقى الرهن قائما و لو تم فسخ العقد، ما دام الدائن المرتهن كان حسن النية من جهة،  و قد قيد رهنه قبل رفع دعوى الفسخ من جهة ثانية.
 كما تجدر الملاحظة أن الأمر الذي يتعلق بعدم بتأثير الفسخ على الرهن الرسمي ، لا يسري إذا تعلق الأمر بالرهن الحيازي ، ذلك أن المـادة 950 قانون مدني لم تذكر حكم المـادة 885 مما يدل على أن هذه المـادة – 885- قانون مدني خاصة فقط بالرهن الرسمي فقط دون الحيازي .
4- حالة الغير الذي تملك بالتقادم:
قد يكتسب الغير حقا من الحقوق بموجب التقادم المكسب الذي تقضي به المـادتان: 827، 828 قانون مدني.
فمثلا إذا كان عقد البيع بين البائع و المشتري ، و كان الغير قد صـار مالكا للشيء المبيـع عن طريق التـقادم المكسب ، فإن فسخ عقد البيع الذي يحدث بين البائع و المشتري باعتبارهمـا طرفي العقد لا يؤثر على الغير الذي اكتسب حقه طبقا لقاعـدة التقـادم المكسـب لأنه محمـي من الناحيـة القانونيـة بهذه القاعدة التي تحول دون سـريان أثر الفسخ .
وهكذا نجد أن للفسخ أثرا رجعيا كقاعدة عامة يشمل المتعاقدين و الغير معا، و لكن يستثنى من هذه القاعدة العامة بعض الحالات، تبقى فيها حقوق الغير قائمة رغم انحلال الرابطة التعاقدية بين المتعاقدين.

و كخلاصة لهذا الفصل الذي تطرقنا فيه إلى الفسخ القضائي توصلنا إلى أن هذا النوع من الفسخ هو الطريق الأصلي الذي يتخـذه الدائن بالالتزام لحل الرابطـة التعاقدية بلجـوئه إلى القضاء ، و هـذا ما تقرره معظـم التشريعات الحديثة ، إلا أن هذا لا يمنـع مـن وجود طـريقا آخر لفسـخ العقـد ألا و هو الفسخ الإتفاقـي ، و هو النـوع الذي سنتطرق إليه في الفصـل المـوالـي :





القاعدة العامة في الفسخ أن يكون قضائيا ، أي بمقتضي حكم من القضاء ، غير أنه يجوز للمتعاقدين الاتفاق على وقوع الفسخ إذا أخل أحدهما بتنفيذ التزامه .
و من خـلال هذا الفصـل سنحاول التطـرق إلى الفسـخ الاتفاقي باعتبـاره النـوع الثاني وفقا للترتيـب الوارد في القانـون المدنـي الجزائري .
محاولين التطرق إلى مفهومه ، شروطه ، و إجراءاته ، كما سنحاول التطرق أيضا لكل من سلطة القاضي ، الدائن و المدين في إيقاعه إضافة إلى الآثار المتربة عنه .
 لهذا قسمنا هذا الفصل إلى خمسة مباحث، سنعالج في كل مبحث  نقطة من النقاط السالفة الذكر.


















المبحــث الأول : تعريـف الفسـخ الاتفاقي ، شـروطـه ، وإجراءاتـه :
من خلال هذا المبحث سنحاول التطرق إلى تعريف الفسخ الاتفاقي ، باعتباره النوع الثاني من أنواع الفسخ الواردة في القانون الجزائري ، محاولين التعرف على الشروط الواجب حتى تكون أمام هذا النوع من الفسخ ، إضافة إلى الإجراءات الواجب إتباعها لإيقاعه .
فما هو تعريف الفسخ الاتفاقي ؟ و ما هي شروطه ؟ هذا ما سنجيب عنه في المطلب الموالي .
المطلـب الأول : تعريـف الفسـخ الاتفاقي ، شـروطـه :
الفـرع الأول : تعريـف الفسـخ الاتفاقـي :
لقد نص المشـرع الجزائري على الفسخ الاتفاقي في المـادة 120 من القانون المدني : " يجوز الاتفاق على أن يعتبر العقد مفسوخا بحكم القانون عند عدم الوفاء بالالتزامات الناشئـة عنه بمجـرد تحقيـق الشرط المتفق عليها و بدون حاجة إلى حكـم قضائي ، و هذا الشـرط لا يعفي من الإعـذار ، الذي يحدد حسـب العرف عند عدم تحديده من طرف المتعاقدين ".
و يقصد بالفسخ الاتفاقي في مجال العقود الملزمة للجانبين أن للطرفين المتعاقدين الحق عند إبرام العقد في الاتفاق على أنه يجوز لأحدهما فسخ العقد في حالة عدم قيام الطرف الأخر بتنفيذ التزاماته الناشئة عن العقد دون اللجوء إلى القضاء لاستصدار حكم قضائي في ذلك .
و يعتبر هذا النوع كاستثناء على القاعدة العامة التي تقضي بها نظرية الفسخ ، و هي وجوب أن يكون فسخ العقد قضائيا ، و الحكمة من هذا الاستثناء هو أن طريقة الفسخ القضائي تتسم بالبطء في إجراءاتها ،و تحمّل المدعي مصاريف القضائية ، إضافة إلى استعمال القاضي لسلطته التقديرية و التي قد لا توافق إرادة المتعاقدين و خاصة الدائن .
و منه فهو طريق أخر يمكن بواسطته حل الرابطة التعاقدية دون تدخل من القاضي ما لم يكن هناك نزاع يستوجب عرضه عليه و يكون حكمه في هذه الحالة مقررا للفسخ وليس منشئا له  ,غير أنه و ما يجب أن ننبه إليه هو أن الإتفاق المعتبر في هذا المجال من الناحية القانونية، هو الاتفاق الذي يكون قد انعقدت عليه إرادة المتعاقدين قبل وقوع عدم التنفيذ ، أما إذا وقع الاتفاق على فسخ العقد بعد ذلك ،كأن يكون الأمر قد رفع إلى القضاء ، فإنه لا يعتبر اتفاقا على فسخ العقد ، بالمفهوم الذي نحن بصدده ، و إنما يدخل تحت مفهوم ما يسمى بالإقالة)1) ، كما سبق بيانه في مقدمة مذكرتنا .
ــــــــــــــــــــــــ
(1) : الدكتور : عبد الرزاق أحمد السنهوري – المرجع السابق – ص :715 .
كما أنه هناك فرق بين الفسـخ الاتفاقي المنصوص عليه في المـادة 120 قانون مدني و بين تضمين العقد شرطا ، بتحققه يفسخ العقد و الذي لا يحتاج إلى تعبير من أحد المتعاقدين بحل الرابطة التعاقدية بينهما ، بل يكفي فيه تحقق الواقعة المستقبليـة ، و بالتالي يفسخ العقد تلقائيا ، بخلاف الفسـخ الاتفاقي الذي يجب أن يكـون فيه إعلان الدائن عن رغبتـه في فسخ العقد بعد حلول الأجـل و عدم قيام المديـن بالتنفيـذ ، هذا لأن الدائن من حقـه أن يتمسك بالتنفيذ رغم وجودالإتفاق على الفسخ طبقا لقاعدة حرية الدائن في الخيار بين التنفيذ أو الفسخ.
و لكي تنحل الرابطة التعاقديـة ، و يفسخ العقد وفقا لاتفاق المتعاقدين ، لا بد من توافر شروط قانونية ، سنتناولها في الفرع الموالي من هذا الفرع :
الفـرع الثانـي : شـروط الفسـخ الاتفاقـي :
لم تحدد التشريعات التي نظمت الفسخ الاتفاقي ، شكلا معينا للاتفاق الذي يتم بموجبه فسخ العقد ، و لا أن يكون مثبتا في محررات رسمية أو عرفية .غير أنه يستفـاد من مضمون نص المادة 120 قانون مدني, أنه لابد من توافر بعض الشروط الموضوعية حتى نكون أمام فسخ إتفاقي و هذه الشروط هي:
1-يجب أن يكون هناك اتفاق على الفسخ:
قد يتفق المتعاقدان على أن فسخ العقد عند إخلال أحدهما بالتزامه دون التطرق إلى موضوع فسخ العقد بإرادة المتعاقد الدائن المنفردة ، فإذا وقع عدم التنفيذ من أحدهما في المستقبل فنكون أمام وجوب تطبيق القاعدة العامة حسب نص المـادة 119 قانون مدني ، و ليس الاستثناء الوارد في المـادة 120 قانون مدني .
و منه فإن شرط وجوب اتفاق يقضي بفسخ العقد بإرادة المتعاقد الدائن المنفردة هو شرط موضوعي في مجال الفسخ الاتفاقي .
 و المتعاقدين قد يتدرجـان في اشتراط الفسـخ أثناء إبرام العقـد ، فقد يتفقان على أن يكـون العقد مفسوخا ، و مضمون هذا الشرط حسبهما هو وجوب تطبيق القاعدة العامة ، غير أن ذلك لا يغني من رفع دعوى الفسخ و لا من الاعذار ، و لا يلزمون القاضي أن يحكم بالفسخ إذ ممكن له أن يعطي مهلة للمدين للتنفيذ (1).
كما أنهما قد يتفقـان على أن يكون العقد مفسوخـا من تلقاء نفسه ، فهنا القاضي تسلب سلطته التقديريـة ، و لا يستطيع منح المدين أجلا للتنفيـذ ، فيحكم بالفسـخ ، غير أن هذا لا يغنـي عن اعذرا المدين و لا من رفع دعوى الفسخ و يكون الحكم منشئا لا مقررا .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : الدكتور : مصطفى محمد الفقي –طبعة منقحة للوسيط في شرح القانون المدني –مصادر الإلتزام بوجه عام للدكتور عبدالرزاق أحمد السنهوري –دار النهضة العربية  طبعة 1988 –الصفحة 983
أما إذا اتفقنا على أن يكون العقد مفسوخا من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم فهذا يعني أنه إذا أخل المدين بالتزامه فإن العقد يفسخ و لا حاجة لرفع دعوى الفسخ ، و لا حاجة كذلك لصدور حكم ينشئ الفسخ ، غير أنه إذا نازع المدين في ذلك ، و ادعى أنه قام بالتنفيذ ، فإن الأمر يرفع للقاضي الذي يتحقق من قيام المدين بالتـنفيذ ،  والحكم الذي يصدره يكون مقررا للفسخ و ليس منشئا له غير أن هذا لا يعفي الدائن من القيام بالإعذار.
كما يمكن لهما أن يتفقا على أن يكون العقد مفسوخا من تلقاء نفسه دون احاجة إلى حكم أو إعذار، و هو أقصى ما يصل إليه اشتراط الفسخ من قوة، و في هذه الحالة يعتبر العقد مفسوخا، بمجرد حلول أجل التنفيذ.
2- أن يكون هدف الاتفاق استبعاد الفسخ القضائي:
و يفهم من هذا الشرط ، أنه ليس كل إتفاق يؤدي إلى فسخ العقد بإرادة الدائن المنفردة دون اللجوء إلى القضاء ، ذلك أن الصيغ التي يقع بها الاتفاق مختلفة ، فقد ترد في العقد مثلا عبارة " أن يكون العقد مفسوخا عند عدم التنفيذ " فهذا لا يعدو أن يكون فسخا قضائيا ، غير أن القاضي سلطته التقديرية تكون مقيدة احتراما لإرادة المتعاقدين  و منه لا يستطيع رفض الفسخ .
كذلك الأمر إذا كانت العبارة الواردة في العقد " يكون العقد مفسوخا من تلقاء نفسه عند عدم التنفيذ " فهنا نكون أمام فسخ قضائي، و القاضي تصبح سلطته مقيدة بعدم إعطاء المدين مهلة للتنفيذ.
أما إذا تضمن الاتفاق عبارة :" أن يكون العقد مفسوخا من تلقاء نفسه و دون حاجة إلى حكم قضائي " ففي هذه الحالة نكون أمام فسخا اتفاقيا بناءا على إرادة الدائن ،و الذي يستطيع التحلل من التزاماته التعاقدية في مواجهة المتعاقد الأخر ، دون رفعه لدعوى قضائية ، غير أن هذا لا يعفيه من الاعذار .بالرغم من أن معظم التشريعات العربية و منها القانون المدني المصري في مادتـه 158  أجازت للأطراف الاتفاق على الإعفاء من الأعذار ، ما عدا القانون المدني الجزائري الذي لم ينص على هذا الإعفاء .
3-أن يكون سبب الاتفاق على فسخ العقد هو عدم تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزاماته:
إن واقعة عدم التنفيذ تعتبر شرطا ضروريا للمطالبة بفسخ العقد من تلقاء نفس الدائن و دون حاجة إلى اللجوء للقضاء ، و رغم هذا فمن حق الدائن أن لا يستعمل حقه في الفسخ و أن يطالب بالتنفيذ . و واقعة عدم التنفيذ تنصب على التزام سواء كان جوهريا أو غير جوهري(1) ، و القانون المـدني الجزائري لم يقيد من حرية المتعاقدين في هذا المجال ، لكنه بالمقابل لم يجز الفسخ جراء عدم التنفيذ التافه ، و هذا ما نستشفه من خلال المـادتين 124 مكرر من قانون مدني التي تنص على عدم إساءة استعمال الحق ، و المـادة 107 من نفس القانون التي تنص على حسن النية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : الأستا : بلعيور عبد الكريم – المرجع السابق – ص : 216 .
و من خلال هاتين المادتين يتبين أنه يجب مراعاة القواعد العامة المنصوص عليها في القوانين ، و التي لا يجوز خرقها من طرف المتعاقدين في مجال الفسخ ، كأن يشتمل اتفاقهما حتى على عدم التنفيذ اليسير ، فهذا يتعارض مع مبدأ حسن النية في تنفيذ العقود ، و يعتبر باطلا و منه يصبح العقد خاليا من الاتفاق على الفسخ ، و لا يبقى للدائن في هذه الحالة إلا اللجوء إلى القضاء لإيقاع الفسخ و نكون بالتالي أمام فسخ قضائي .
 و منه فإذا توافرت هذه الشروط ، كان لأحد المتعاقدين الحق في فسخ العقد فسخا إتفاقيا ، غير أن مجرد توافرها لا يجعل العقد مفسوخا بل لابد للدائن من اتخاذ إجراءات حتى يتحقق فسخ العقد و هذا ما سنتطرق إليه في المطلب الموالي :
المطلـب الثانـي : الإجـراءات الواجبـة في الفسـخ الإتفاقـي :
اتضح لنا بأن توافرالشروط الموضوعية الواجبة في الفسخ الإتفاقي و التي تطرقنا لها في المطلب السابق ، لا تجعل العقد مفسوخا بل تجعل للدائن الحق في فسخ العقد بإرادته المنفردة دون اللجوء إلى القضاء ، لذلك يجب عليه أن يتخذ إجراءات قانونية و التي سنتناولها من خلال الفروع الموالية :
الفــرع الأول : الإعـــذار :
إن القانون المدني الجزائري في مـادته 120 المنظمة للفسخ الإتفاقي لم تجيز الإعفاء من الإعذار ، حتى بالاتفاق بين المتعاقدين(1) و هو ما يدعو إلى القول بأن فيه حدا لحرية  المتعاقدين و لا يتوافق مع المنطق القانوني ، إذ كيف يعقل أن يكون للمتعاقدين الحق في الاتفاق على الفسخ مسبقا و لا يجوز لهما أن يتفقا على الإعفاء من الاعذار ، فـلو أجاز لهما ذلك لجعل كل متعاقد حريص على التنفيذ لأنه يعلم بأن الطرف الأخر له الحق في فسخ العقد بمجرد وقوع الإخلال من جانبه دون أن يقوم بإعذاره .
كما أن المادة المذكـورة سابقـا ، لم تحـدد بدقة المـدة التي يمنحـها الدائن لمدينه عندما يقـوم بإعذاره فنصت على :" .. و هذا الشرط لا يعفي من الاعذار ، الذي يحدد حسب العرف عند عدم تحديده من طرف المتعاقدين ." و منه إذا لم تحدد هذه المهلة بالاتفاق، نرجع في تحديدها إلى العرف.
لكن ما هو الحل لو لم يكن هناك عرف ؟ فهل نستطيع القول بأن العرف يحل محل إرادة الدائن ؟ فلو قلنا بصحة هذا لتوصلنا لنتيجة غير منطقية و لا تتفق مع قواعد الفسخ الاتفاقي التي تقوم أساسا على إرادة أحد المتعاقدين
الفـرع الثانـي : الإعلان عن التمسـك بفسـخ العقـد من طـرف الدائـن :
وهو إعلان الدائن عن رغبته في حل الرابطة التعاقدية ، ذلك أن إرادته هي التي تؤخذ بعين الاعتبار في الفسخ الاتفاقي ، و ليس الاتفاق الذي كان قد تم بينه و بين المتعاقد الأخر .
و منه فقد يتحقق عدم التنفيذ في حالة الاتفاق على الفسخ مسبقا، و مع ذلك يبقى العقد قائما، من الناحية القانونية ما دام الدائن لم يعلن عن رغبته في فسخ العقد.
فحتى و لو كان الفسخ اتفاقيا ، فإن عدم التنفيذ يقتصر دوره على نشوء حق الفسخ ، أما الرابطة التعاقدية فلا تنحل بالفسخ ، إلا إذا تمسك به و أعلن عن رغبته في ذلك .
و يشترط في هذا الإعلان أن يكون قاطعا في دلالته على فسخ العقد ، فلا يجوز استنتاجه أو استنباطه من مضمون العبارات التي تصدر عن الدائن ، كما يجب أن يكون هذا الإعلان قد اتصل بعلم المدين ، وفقا لما تقتضيه المـادة 61 قانون مدني ، و إلا فلا أثر له بالنسبة إلى العقد المراد فسخه .
و بالتالي فإذا قام الدائن بهذا الإجراء، فلا تهمه موافقة المدين، أو عدم موافقته، لأن الهدف من الإعلان هو إبلاغ المدين بفسخ العقد، وليس طلب الموافقة.
هذه هي الشروط و الإجراءات الواجب توافرها لكي يتحقق إيقاع الفسخ الإتفاقي ، دون تدخل القضاء ، غير أنه هناك بعض الحالات التي تكون فيها تدخل القضاء ضروريا ، وهذا ما سنتطرق إليه في المبحث الموالي :















المبحــث الثانـي : سلطـة القاضـي التقديريـة في الفسـخ الاتفاقـي :
إذا كان للقاضي سلطة تقديرية واسعة في حالة الفسخ القضائي ، إذ له أن يمنح المدين أجلا قبل فسخ العقد ، و له أن يرفض دعوى الفسخ ، فإنه في حالة الاتفاق مقدما على الفسخ ، لا تكون له تلك السلطة التقديرية الواسعة ، إذ يحصل الفسخ من تلقاء نفسه دون الحاجة إلى حكم قضائي متى تمسك به الدائن .
غير أنه قد ينشأ نزاع بين الدائن و المدين يؤدي إلى ضرورة تدخل القضاء لحل النزاع و الذي قد يتمثل في إنكار المدين لحق الدائن في فسخ العقد بإرادته المنفردة ، كأن يدعي بأنه قد قام بالتنفيذ ، و هنا تكمن سلطة القاضي التي تقتصر على التحقق من بعض المسائل القانونية و المتمثلة في :
المطلــب الأول : تحقـق القاضــي من الشـروط الشكليـة :
كما سبق ذكره ، أن الاتفاق مقدما على الفسخ ، لا يستبعد حتما إمكان تدخل القاضي ، إلا أن سلطة هذا الأخير في مجال الفسخ الاتفاقي تقتصر على تحققه من أن هناك اتفاق بين الطرفين على فسخ العقد ، و أن الدائن قام باعذار مدينه هذا ما ارتأينا أن نسميه بالشروط الشكلية ، و هذا لتفرقتهما عن الشرط الموضوعي المتمثل في عدم التنفيذ و الذي سنتطرق إليه في المطلب الثاني .
الفــرع الأول : تحققـه من وجود اتفـاق على فسـخ العقـد :
من شروط الفسخ الاتفاقي أن يكون هناك عقد متضمنا اتفاقا يقضي بالفسخ بإرادة المتعاقد الدائن ، و منه فإذا قام الدائن بفسخ الرابطة التعاقدية ،  ورفع الأمر إلى القضاء بعدما نازعه المدين في ذلك ، فإن القاضي يكون ملزما في هذه الحالة بأن يتحقق من وجود إتفاق على الفسخ بإرادة واحدة ، و يتحرى حقيقة المقصود من هذا الاتفاق ، و إذا تبين له من النية المشتركة للطرفين أن الفسخ لا يعدو أن يكون ترديدا لمبدأ الفسخ القضائي ، فهنا تقوم سلطة القاضي التقديرية من جديد و يستطيع بذلك أن يحكم بالإبقاء على العقد مطبقا في ذلك قواعد الفسخ الإتفاقي.
و منه فأول تحر يجب أن يقوم به القاضي المرفوع إليه النزاع هو التحقق من وجود الاتفاق، ثم التأكد من الصيغة التي ورد بها، هل تفيد منع سلطة القاضي التقديرية، أو عبارة عن ترديد للقواعد العامة المنظمة للفسخ القضائي
الفـرع الثانـي : تحققـه من قيـام الدائن باعـذار مدينـه :
كما رأينا سابقا في إجراءات الفسخ الاتفاقي ، أن قيام الدائن باعذار مدينه هو إجراء ضروري في كلا من الفسخ القضائي و الفسخ الاتفاقي ، كما أن المشرع الجزائري لم ينص على جواز الاتفاق على الإعفاء منه ، و منه إذا ما طرح على القاضي نزاع يتعلق بالفسخ الاتفاقي ، فإنه بعد تأكده من وجود الاتفاق على الفسخ ، يتأكد أن الدائن بالالتزام الذي لم ينفذ قام باعذار مدينه ، حتى يكون استعماله لحق الفسخ بإرادته المنفردة استعمالا صحيحا ، فإذا تبين للقاضي أن الدائن قد فسخ العقد دون اعذار مدينه ، فممكن للقاضي أن يعتبر العقد مازال قائما ، مما يجوز معه للمدين أن يقوم بتنفيذ التزامه .
و منه فالاعذار يعتبر دعوة الدائن للمدين رسميا للوفاء بالتزامه في خلال مدة يحددها له بحيث إذا انتهت هذه المدة فسخ العقد من تلقاء نفسه .
المطلــب الثانـي : تحققـه من الشـرط الموضوعـي :
بعد تأكد القاضي من الشرطيين السابقين ، يتحقق بعد ذلك من وجود تقصير من جانب المدين ، وهو عدم قيامه بالتنفيذ ، وعدم التنفيذ قد يكون مطلقا سواء أكان كليا أو جزئيا ، و قد يكون نسبيا أي تأخير في التنفيذ ، لهذا سنخصص لكل حالة من عدم التنفيذ فرعا مستقلا :
الفـرع الأول : حالـة عـدم التنفيـذ المطلـق :
يستوي في عدم التنفيذ ، في حالة الفسخ الاتفاقي ، أن يكون عدم التنفيذ كلي أو جزئي (1) ، ففي حالة عدم التنفيذ الكلي يجب على القاضي أن يحكم بالفسخ ، و في حالة عدم التنفيذ الجزئي ، فإن الاتفاق على الفسخ المبرم بين المتعاقدين يسلب القاضي سلطته التقديرية في الفسخ ، ومنه إذا تحقق من عدم التنفيذ ، فإنه يصدر حكما مقرر بأن العقد قد فسخ .
و ما يبين أنه ليس للقاضي أن يقدر مدى جسامة عدم التنفيذ في الفسخ الاتفاقي ، هو نص المـادة 120 قانون مدني التي جاءت عامة ، ولم تفرق بين عدم التنفيذ المطلق ، و عدم التنفيذ النسبي بل جاءت بصيغة عامة .
 إلا أن هذا لا يعني أن الاتفاق  على الفسخ جائزا و لو كان عدم التنفيذ تافها ، لأن ذلك يخالف مبدأ حسن النية في تنفيذ العقود طبقا لنص المـادة 107 قانون مدني ، و يترتب على ذلك أنه على القاضي الذي يطرح عليه النزاع ، و وجد أن عدم التنفيذ تافه ، يحكم ببطلان الاتفاق ، ومنه يصبح العقد خاليا من أي اتفاق ، و بالتالي يطبق القاضي القواعد العامة حسب المـادة 119 قانون مدني.





ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1): الدكتور : عبد الحميد الشواربي – المشكلات العملية في تنفيذ العقد – دار الفكر العربي ، طبعة :1990، ص :247 .
الفـرع الثانـي: حالـة التأخيـر في التنفيـذ:
إن الهدف من نص المشرع على الفسخ الاتفاقي في المـادة 120 قانون مدني ، هو إعطاء المتعاقدين الحرية في استبعاد تدخل القاضي الذي ليس له سلطة تقديرية في هذا المجال .
و منه فإن سلطة القاضي في منح المدين أجلا للتنفيذ في حالة الفسخ الاتفاقي ، لا يمكن القول بها لأنها تتنافى في حد ذاتها مع مضمون النص الوارد بشأن الفسخ الاتفاقي ، إذ أنه يفهم ضمنا من اصطلاح الاتفاق على فسخ العقد الذي قبله المدين عند إبرامه للعقد ، أنه قد تنازل عن هذا الأجل أو المهلة التي كانا من الممكن أن يستفيد منها ، لو أنه لم يوافق على الفسخ الاتفاقي .
و مـن ثمة فلا يعقل أن يتنازل صاحـب المصلحـة عن مزايا قد تفيـده، و يعيدها إليـه القاضـي بعـد أن تنازل عنها بإرادته الحرة.
فمثلا إذا كنا بصدد عقد بيع ، و كانا الطرفان قد اتفقا في عقدهمـا على أن يقع الفسـخ في حالة تأخر المشتـري عن دفع باقي الثمـن في الميعـاد المتفق عليه بدون حاجة إلى حكم قضائـي ، فإن – البائـع – يستعمـل حقه في الفسخ بمجرد التأخير .
و ما نستنتجـه من خلال هذا المبحـث ، هو أن تدخـل القضاء في مجـال الفسخ الاتفاقي محـدود جدا ، إذا ما قارناه بالفسخ القضائي .
فإذا كانت سلطـة القاضي التقديرية محدودة في الفسخ الاتفاقي ، فهل يجوز للمتعاقد الدائن الذي من حقه فسخ العقد ، في أن يطالب بالتنفيذ رغم تحقق شروط الفسخ الاتفاقي ؟ هذا ما سنعالجه في المبحث الموالي :










المبحــث الثالث : مدى حق الدائن في فسخ العقد أو التمسك بالتنفيذ :
القانون المدني الجزائري عند تنظيمه للفسخ الاتفاقي ، لم يحدد صراحة مدى حق المتعاقد الدائن بالالتزام في فسخ العقد ، أو عدم فسخه بل اقتصرت المـادة 120 قانون مدني : " يجوز الاتفاق على أن يعتبر العقد مفسوخا بحكم القانون عند عدم الوفاء بالالتزامات الناشئة عنه ....." ، الأمر الذي يدعو إلى التساؤل ، هل يجوز للدائن أن يبدأ بطلب التنفيذ و لو تحقق عدم التنفيذ ؟ و ما أثر ذلك على حقه في الفسخ ؟ و هل يجوز له إذا بدأ بالفسخ أن يعدل عنه إلى طلب التنفيذ ؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذا المبحث  :
المطلـب الأول: حالـة بـدء الدائـن بطلـب التنفيـذ:
و من خلال هذا المطلب سنحاول الإجابة على سؤالين و هما:
*هل يترتب على الاتفاق مقدما على اعتبار العقد مفسوخا في حالة عدم تنفيذ المدين لالتزاماته، أن يفقد الدائن حقه في طلب التنفيذ ؟
* هل إذا بدأ الدائن المطالبة بالتنفيذ يعتبر متنازلا عن حقه في فسخ العقد ؟
الفـرع الأول: مـدى فقدان الدائـن لحقه في طلـب التنفيذ عند الاتفـاق مقدما على الفسخ:
إن العقد المشتمل على الفسخ الاتفاقي عند عدم التنفيذ لا ينفسخ بمجرد تحقق عدم التنفيذ ، بل يترك الأمر لتقدير  الدائن ، و بذلك لا يترتب على ذلك الاشتراط أن يفقد الدائن خياره بين طلب التنفيذ و طلب الفسخ (1).
و إن مضمون نص المـادة 120 قانون مدني ، المتعلقة بالفسخ الاتفاقي يبين بأن للمتعاقد الدائن الحق في أن يفضل طلب التنفيذ على فسخ العقد ، و لا يوجد ما يمنعه من ذلك من الناحية القانونية و ليس في ذلك تعارض مع الاتفاق على الفسخ الذي اتفق عليه المتعاقدان عند إبرام العقد ، و هذا لأن مصلحة الدائن متروكة لتـقديره هو ،  وقد يرى أن فسخ العقد لا يجديه في شيء .
و هذا كله يترتب على أن عدم التنفيذ يعتبر أهم شرط يقوم عليه الفسخ ، سواء كان قضائيا أو إتفاقيا ، و الذي يمنح للدائن حق أصلي هو المطالبة بالتنفيذ ، وحقا احتياطيا هو حقه في فسخ العقد .
فهل إذا بدأ الدائن بالمطالبة بالتنفيذ يعتبر متنازلا عن حقه في فسخ العقد بإرادته المنفردة ؟
هذا ما سنجيب عليه في الفرع الموالي :


ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : الدكتور : عبد الحميد الشواربي –فسخ العقد في ضوء القضاء و الفقه – دار الكتاب الحديث – طبعة :1990 ، ص : 53 .
الفرع الثاني : مدى اعتبار بدء الدائن بطلب التنفيذ تنازل عن حقه في فسخ العقد :
إن بدء الدائن بالمطالبة بالتنفيذ ، لا يعد نزولا عن حقه في فسخ العقد ، بمقتضى الاتفاق ، ذلك أن الهدف من الاتفاق على الفسخ الذي أجازه القانون هو تقوية مركز الدائن ، و حماية حقوقه ، فليس من المنطقي أن يحرم من هذه الحماية ، لا لشيء إلا أنه اتبع الطريق الأصلي لتنفيذ العقد ، فعدل عنه إلى الفسخ .
غير أن هذا لا يمنع الدائن بالمقابل من التنازل عن حقه في فسخ العقد باعتباره حق كغيره من الحقوق يجوز التنازل عنه ، إلا أنه يجب أن يكون واضحا خال من الغموض و اللبس ، و لا نستنتجه ، كما لو تسامح المتعاقد الدائن مع مدينه في تأخير دفع أجرة العين المؤجرة .
و منه إذا كان التنازل واضحا فإن الدائن يفقد حقه في فسخ العقد فسخا إتفاقيا ، غير أن هذا لا يؤثر على حقه المقرر وفقا للمادة 119 قانون مدني ، إذ يجوز له أن يطالب بفسخ العقد ، و لا يعد ذلك تنازلا عن حقه في الفسخ الاتفاقي ، ما لم يكن تنازله قاطع الدلالة على أنه لا يريد الفسخ ، كما لو صرح بذلك صراحة .
المطلب الثاني : حالة تمسك الدائن بالفسخ الاتفاقي :
إذا اختار الدائن ، التمسك بالفسخ المتفق عليه ، دون المطالبة بالتنفيذ ، فهو إذن يستعمل حقه الاحتياطي حسب الاتفاق ، و ليس حقه الأصلي .
غير أن التساؤل يثور عندما يختار الدائن الطريق المناسب له ،و يتمسك بالفسخ على طلب التنفيذ ، قبل صيرورة الحكم نهائيا كما هو الحال بالنسبة للفسخ القضائي ، فهل هذا جائز له و يعتبر من حقه ؟ .
الفرع الأول : عدم جواز عدول الدائن عن تمسكه بالفسخ الاتفاقي إلى طلب التنفيذ :
ما يمكننا قوله بهذا الشأن ، أنه في الفسخ الاتفاقي بمجرد أن يوجه الدائن الاعذار إلى مدينه معلنا فيه نيته على فسخ العقد ، فهذا يؤدي إلى جعل العقد منحلا ، أي لم يعد هناك عقد حتى يمكن القول بجواز طلب تنفيذه بعد ذلك.
و هذا هو الفرق الجوهري بين الفسخ القضائي و الفسخ الاتفاقي من ناحية مدى سلطة الدائن في كل منهما ، ذلك أن العقد في الفسخ القضائي يبقى قائما رغم مطالبة الدائن بالفسخ إلى أن يصير الحكم القضائي نهائيا ، و من ثمة فلا مانع فيه من عدول الدائن عن طلب الفسخ إلى طلب التنفيذ ، بينما الفسخ الاتفاقي ينحل فيه العقد بغير ذلك كما ذكرنا .
والمشرع لم يمنح للدائن هذه السلطة في العدول من التمسك بالفسخ إلى طلب التنفيذ هو من أجل استقرار المعاملات ، كما أن الأخذ بما يخالف هذا يجعل المدين مهددا من حين لآخر بمطالبة الدائن له بالتنفيذ و لو بعد مدة طويلة من إعلان الفسخ .
لكن هل نطبق هذه القاعدة على إطلاقها أم ترد عليها استثناءات ، هذا ما سنتطرق إليه في الفرع الموالي :
الفرع الثاني : الاستثناء الوارد على عدم جواز عدول الدائن عن تمسكه بالفسخ الاتفاقي إلى طلب التنفيذ :
إن المقصود من عدم جواز عدول الدائن عن تمسكه بالفسخ الاتفاقي إلى طلب التنفيذ ، لا يسري مفعوله إذا وقع قبل وصول الإعلان عن الفسخ إلى علم المدين ، لأن العقد قبل ذلك لا يزال قائما و من ثمة فليس هناك ما يمنع من عدول الدائن عن تمسكه بالفسخ إلى طلب التنفيذ,و بناءا على ذلك يمكن القول بأن الدائن الذي أعلن عن تمسكه بالفسخ و وصل إعلانه إلى علم المتعاقد الأخر ، لا يجوز له أن يعود مرة أخرى إلى طلب التنفيذ .
و على هذا الأساس ، فإن السلطة التقديرية الممنوحة للدائن في مجال الفسخ الاتفاقي ، يتضح أنها تتوسع في حقه لاختيار الطريق المناسب له ، و تضيف في حالة عدم إعطاءه لحق العدول من تمسكه بالفسخ الاتفاقي إلى طلب التنفيذ .
و بعد أن رأينا كل من سلطة القاضي و الدائن ، فهل يجوز للمدين أن يتأخر في تنفيذ إلتزاماته التعاقدية ؟ هذا ما سنعالجه في المبحث الموالي :
















المبحــث الرابع : مـدى حـق المديـن في التنفيـذ المتأخـر :
هل يجوز للمدين الذي لم يقم بالتنفيذ في الميعاد ، أن يقوم به بعد ذلك ?
لمعرفة ما إذا كان للمدين هذا الحق لا بد من أن نفرق بين حالتين :
المطلب الأول : حالة قيام الدائن باعذار مدينه :
القاعدة العامة في الفسخ الاتفاقي تقضي بأنه بمجرد عدم قيام المدين بتنفيذ التزاماته التعاقدية ، يقوم الدائن باعـذاره ,و يعلن تمسكه بالفسخ بعد انتهاء مدة الاعذار ، وبالتالي يفسخ العقد فور صدور هذا الإعلان دون إنتظار .
و يترتب على ذلك أنه يتعذر على المدين تفادي الفسخ ، إذ لا يوجد عقد بعد ذلك من الناحية القانونية ، إذ كما سبق و تطرقنا إليه ، أن العقد في الفسخ الاتفاقي يفسخ بناءا على إعلان الدائن لرغبته في حل العقد .
و هذا التشديد الذي يتعرض له المدين في الفسخ الاتفاقي ، في عدم إمكانيته لتفادي الفسخ في حالة توجيه له إعذارمن الدائن ، يعود إلى طبيعة هذا النوع من الفسخ ، خاصة إذا كان هناك اشتراط لميعاد تنفيذ الالتزامات من أحد طرفي العقد ، و بالتالي إذا رجعنا إلى نص المادة 106 قانون مدني ، فإن العقد شريعة المتعاقدين ، و الفسخ الاتفاقي يؤكد مدى قوة العقد الإلزامية ، و منه عدم استطاعة المدين تفادي الفسخ الاتفاقي في حالة توجيه الدائن له لإعذار يتمسك فيه بالفسخ .
فهل هذا يؤدي بنا إلى القول أنه في حالة عدم توجيه الدائن للمدين إعذار يتمسك فيه بالفسخ ، يؤدي إلى فتح المجال للمدين في تفادي فسخ العقد ، عن طريق تنفيذه المتأخر لالتزاماته التعاقدية ؟ هذا ما سنعالجه في المطلب الموالي :
المطلب الثاني : حالة عدم قيام الدائن باعذار مدينه :
هناك بعض الحالات يتحقق فيها عدم التنفيذ ، و لا يسارع الدائن إلى استعمال حق الفسخ ، أي لا يقوم باعلان رغبته في فسخ العقد ، مما يجعل العقد من الناحية القانونية مازال قائما ، و لكنه في نفس الوقت مهدد بخطر فسخه ، فهل يمكن للمدين تفادي الفسخ خلال هذه الفترة القانونية . أي الفترة  ما بين تحقق عدم التنفيذ و عدم إعلان الدائن عن رغبته في فسخ العقد ?
الفرع الأول : حق المدين في التنفيذ المتأخر عند عدم إعذاره:
كما سبق بيانه ، بأن عدم التنفيذ بالرغم من أنه شرط جوهري لقيام الفسخ ، إلا أنه لا يصلح وحده لحل الرابطة التعاقدية في الفسخ الاتفاقي ، إذ لا بد من إعلان الدائن عن رغبته في فسخ العقد عن طريق توجيه إنذار لمدينه طبقا لنص المادة 120 قانون مدني .
و منه إذا لم يقم الدائن بهذا الإجراء ، فإنه يفتح أمام المدين المقصر ، طريقا يمكن بواسطته أن يتفادى الفسـخ ، و ذلك بتنفيذ التزاماته تنفيذا متأخرا ، إذ بهذا التنفيذ يزول السبب الذي وضعت من أجله نظرية الفسخ ، ما دام الدائن لم يعلن بعد عن رغبته في الفسخ .
الفرع الثاني: عدم التوسع في حق المدين في التنفيذ المتأخر عند عدم إعذراه:
إن حق المدين في تنفيذ إلتزاماته تنفيذا متأخرا عند عدم قيام الدائن بإعذاره ، يجب عدم التوسع فيه ، إحتراما لمبدأ سلطان الإرادة طبقا لنص المادة 106 قانون مدني ، و الذي يقضي باحترام ما يرد من اتفاقات في العقد ، خاصة إذا ولّى المتعاقدان أهمية كبيرة لميعاد التنفيذ ، فيصبح التنفيذ المتأخر غير مفيد بالنسبة للدائن الذي لم يحصل على الأداء في الميعاد المتفق عليه .
و منه لا يجوز للمدين القيام بتنفيذها و لو تأخر المتعاقد الدائن بدوره عن الإعلان عن فسخ العقد.
غير أن سكوت الدائن في هذه الحالة يجب ألا يتجاوز الحد المعقول ، و إلا إعتبر نزولا منه عن حقه في الفسخ الاتفاقي ، إلا أن فقدان الدائن لهذا الحق ، لا يؤثر على حقه في فسخ العقد وفقا للمادة 119 قانون مدني ، باعتبارها هي التي تضمنت القاعدة العامة و لا يمكن أن يفقد حق الفسخ بمقتضاها ، ما دام عدم التنفيذ قائما (1).
و ننتهي إلى القول بأن للمدين الحق في تفادي إيقاع الفسخ حتى و لو كنا أمام الفسخ الاتفاقي ، إلاّ أن مجال هذا الحق محدود ، و ليس كما هو الشأن بالنسبة للفسخ القضائي الذي يكون فيه للمدين متسع من الوقت لتفادي الفسخ.
و من هنا نتساءل هل الفسخ الاتفاقي مثله مثل الفسخ القضائي يرتب أثارا قانونية على المتعاقدين ، و قبل الغير أم لا ؟ هذا ما سنتعرف عليه في المبحث الموالي :








ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : الاستاذ : بلعيور عبد الكريم – المرجع السابق – ص : 241 .
المبحــث الخامـس : آثـار الفســخ الاتفاقــي :
لقد سبق و أن ذكرنا أن نص المادة 122 قانون مدني، هو نص عام يبين ما يترتب على الفسخ من آثار، سواء كان الفسخ بحكم القاضي أو باتفاق المتعاقدين أو بمقتضى القانون.
و منه إذا كنا أمام فسخ اتفاقي ، فإنه يترتب عليه زوال الالتزامات التي تكون قد نشأت عن العقد قبل انحلاله ، و بالتالي يصبح لا وجود له من الناحية القانونية و يعاد الطرفين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد ، غير أن الآثار التي تترتب عن الفسخ الاتفاقي فيما بين المتعاقدين تختلف عن تلك التي تترتب بالنسبة إلى الغير ، وهذا ما سوف نراه من خلال المطلبين التاليين :
المطلب الأول : آثار الفسخ الاتفاقي فيما بين المتعاقدين
الفرع الأول: زوال العقد بأثر رجعي:
كما رأينا أن القاعدة العامة في الفسخ الاتفاقي هي محو آثار العقد في الماضي و إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها من قبل ، فإن نفس القاعدة تنطبق على الفسخ الاتفاقي .
و منه إذا كان الدائن قد تلقى شيئا ما من المدين ، فبمجرد عدم تنفيذ العقد من طرف هذا الأخير و إعلان الدائن على رغبته بواسطة الاعذار فإن العقد يعتبر مفسوخا بالاتفاق ، و من ثمة يكون كلاهما متحللا من التزاماته التعاقدية التي كانت على عاتقه نحو الطرف الأخر .
و منه و تطبيقا لقاعدة فسخ العقد و إعادة المتعاقدين إلى ما كان عليه فعلى الدائن رد ما أخذه من المدين و يسترد ما كان قد قدمه لمدينه كبداية لتنفيذ العقد ، و هذا لأن القانون قد أعطاه الحق في استرداد ما قدمه و في المقابل رد ما أخذه حسب المادة 122 قانون مدني : " إذا فسخ العقد أعيد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها من قبل العقد ، فإذا إستحال ذلك جاز للمحكمة أن تحكم بالتعويض ".
و إذا ما لحق الدائن ضرر من جراء فسخ العقد فيحق له وحده أن يطالب إلى جانب الفسخ بتعـويض عـن ذلك و للقاضي أن يحكم بهذا متى تحقق من الشروط السالفة الذكر ، وتحقق من الضرر لكي يحكم بالتعويض ، وهذا التعويض يكون على أساس المسؤولية التقصيرية ، لأنه لا وجود للعقد ، و يكون في حالة المطالبة بالتنفيذ على أساس المسؤولية العقدية .
و على هذا الأساس يكون المدين أيضا مطالبا برد ما أخذه من الدائن كما هو الحال بالنسبة لهذا الأخير ، كما يقع على المدين ، إذا أدى الفسخ إلى إلحاق ضرر أن يدفع للدائن تعويضا لجبر الضرر الذي تسبب في وقوعه جراء عدم تنفيذه لالتزاماته التعاقدية .

كما سبق القول في الفسخ القضائي ، فإنه هناك اختلاف حول عقود المدة كالإيجار ، إذ هناك من الفقهاء من يرى بأنها لا يتم فسخها بأثر رجعي لأن عنصر الزمن فيها هام ، و هناك من يرى بأنه مادام المشرع لم يفرق بين العقود الفورية و عقود المدة فإنها تفسخ بأثر رجعي ، و هذا هو الرأي الأصح حسب ما بينّاه في آثار الفسخ القضائي .
الفرع الثاني : إستحالة إعادة المتعاقدين إلى ما كانا عليه من قبل :
قد يستحيل تحقيق إعادة المتعاقدين إلى الوضع الذي كانا عليه قبل التعاقد ، و من ثمة لا يستطيع لا الدائن الحصول على الأداء الذي قدمه للمدين قبل فسخ العقد ، و لا المدين على ما كان قد قدمه للدائن .
و أمام هذا النوع أجاز المشرع الحكم بالتعويض طبقا لما تقتضيه المادة 122 قانون مدني ، و الذي يترتب عليه أنه إذا تم فسخ العقد إتفاقيا ، و لم يستطع المدين رد الأداء الذي قبضه من الدائن عينيا ، يتعين عليه أن يرد بدلا منه تعويضا عادلا .
و كما سبق ذكره في آثار الفسخ القضائي ، أنه يجب عدم الخلط بين التعويض الوارد في المادة 122 قانـون مدني ، وبين التعويض الوارد في نص المادة 119 قانون مدني ، إذ يحكم بهذا الأخير في جميع الحالات التي يرى فيها القاضي أن التعويض ضروري لجبر الضرر بصرف النظر عن إستحالة الرد أو عدمه .
وبعد أن عرفنا آثار الفسخ الاتفاقي بالنسبة للمتعاقدين و الذي هو إعادة الحال إلى ما كانا عليه قبل التعاقد ، و في حالة الاستحالة الحكم بالتعويض ، فما هو حكم الفسخ الاتفاقي من ناحية أثاره بالنسبة إلى الغير ؟ هذا ما سنجيب عليه في المطلب الموالي :
المطلب الثاني : آثار الفسخ الاتفاقي بالنسبة إلى الغير :
 كما سبقت الإشارة إليه ، فإن نص المادة 122 قانون مدني ، هو نص عام يبين الآثار المترتبة على الفسخ بجميع أنواعه ، و منه الآثار الناتجة عن فسخ العقد ، لا تقتصر فقط على المتعاقدين ، بل تتعداه إلى الغير الخارج عن العقد أيضا ، و الذي يكون قد تلقى حقا من أحدهما بسبب معاملة معينة.






الفرع الأول : قاعدة زوال حقوق الغير :
يترتب على هذه القاعدة أن الغير الذي تلقى حقا من أحد المتعاقدين ، و كان هذا الحق متعلقا بالشيء الذي كان محلا للعقد المفسوخ ، يزول تبعا لزوال حقوق و إلتزامات المتعاقد الذي تعامل معه نتيجة فسخ العقد .
و منه فإن الحقوق التي تكون على المبيع مثلا لصالح الغير ، سواء كانت حقوق ارتفاق ، أو انتفاع ، أو أي حق آخر ، تزول بعد فسخ العقد بين الدائن و المدين ، و من ثمة فإن العين المبيعة تعود خالية من كل الحقوق التي رتبها المدين عليها (1) .
كما إذا كنا بصدد عقد بيع ، و باع المشتري العين إلى آخر أو رهنها ، فإن هذه العين تعود للبائع – بعد الفسخ – خالية من هذه الحقوق .
و لكن لتطبيق هذه القاعدة ، و كما سبق و أن تطرقنا إليه في الفسخ القضائي ، فإنه يجب تسجيل دعوى الفسخ ، إذ كان محل العقد عقارا ، و لا يحتج بحكم الفسخ على الغير الذي يكون قد كسب حقه و سجله و هو حسن النية قبل تسجيل دعوى الفسخ ، طبقا لما تقتضيه المادتين : 15، 16 من قانون 74-75 .
أما إذا كان محل العقد منقولا، فإن الغير الذي تلقى هذا المنقول، يستطيع أن يتمسك بقاعدة الحيازة في المنقول بحسن نية سند الحائز.
و ما حالة حسن النية إلا حالة من الحالات ، التي لا يؤثر فيها فسخ العقد على حقوق الغير ، و سنتطرق إلى هذه الحالات التي وردت على سبيل الاستثناء ، بإيجاز كوننا تطرقنا إليها في الفسخ القضائي .
الفرع الثاني : الاستثناءات الواردة على قاعدة زوال حقوق الغير :
إذا كانت القاعدة التي يرتبها فسخ العقد ، هي زوال العقد بأثر رجعي ، سواء في مواجهة المتعاقدين أو بالنسبة إلى الغير فإن لهذه القاعدة استثناءات معينة لا يجوز العمل بها :
1-الغير الذي كسب حقا عينيا على منقول بحسن النية:
إن الشخص الذي يتلقى من شخص آخر منقولا معينا بمقتضى عقد صحيح، يكون بمنأى عن اثر الفسخ الذي قد يقع بين من تلقى من هذا الحق على المنقول و المتعاقد معه (2) .
و هذا ما نصت عليه المادة 835 قانون مدني :" من حاز بسند صحيح منقولا أو حقا عينيا على المنقول ، أو سندا لحامله فإنه يصبح مالكا له إذا كان حسن النية وقت حيازته ......" .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
 (1): الدكتور : عبد الرزاق أحمد السنهوري – المرجع السابق – ص : 712.
(2) : الدكتور : سليمان مرقس- المرجع السابق – ص : 459.
2- الغير الذي تقرر له حق على عقار و شهره وفقا للقانون:
و هذا اعتبارا لما تقرره المادتين 15، 16 قانون 74-75 من أن الشهر يعتبر وسيلة للاحتجاج بكل ما يتعلق بالحق العيني من إنشاء، أو نقل، أو تعديل، أو انقضاء فيما بين المتعاقدين و بالنسبة للغير.
لكنها قرنية بسيطة قابلة لإثبات العكس ، كإثبات سوء نية الغير الذي قام بشهر حقه و هو يعلم أن العقد مهدد بالفسخ ، أو قام بالشهر بعد تسجيل دعوى الفسخ أو التأشير بها على هامش العقد .
3-الغير الذي ترتب لصالحه رهن رسمي:
كأن يرتب المشتري على العقار الذي اشتراه ، رهنا تأمينيا ، لدائن مرتهن حسن النية يعتقد أن الملكية خالصة للراهن و غير مهددة بالزوال ، لهذا نصت المادة 885 قانون مدني : " يبقى صحيحا لمصلحة الدائن المرتهن ، الرهن الصادر من المالك الذي تقرر إبطال سند ملكيته ، أو فسخه ، أو إلغاؤه ، أو زواله لأي سبب أخر ، إذا اثبت أن الدائن كان حسن النية وقت إبرام العقد " .
غير أنه لا يطبق هذا الاستثناء على الرهن الحيازي العقاري ، ذلك أن المادة 950 قانون مدني حين نصت على سريان بعض أحكام الرهن الرسمي على الرهن الحيازي لم تذكر حكم المادة 885 قانون مدني ، مما يعني أن هذه الأخيرة خاصة بالرهن الرسمي .
4- الغير الذي تملك بالتقادم :
قد يكتسب الغير حقا من الحقوق بموجب التقادم المكسب الذي تنص عليه المادتين: 827، 828 قانون مدني.
و يترتب على هذا التقادم المكسب أن فسخ العقد قد يقع بين متصرف و متصرف إليه، لا يمس كاستثناء من القاعدة العامة حق الغير الذي اكتسب طبقا لقاعدة التقادم المكسب (1).
و ما نستخلصه أن الدائن الذي حكم بالفسخ لصالحه يحكم له بالتعويض وفقا للمادة 122 قانون مدني، لأنه هناك إستحالة رد المتعاقدين إلى الوضع الذي كانا عليه.
و إذا كان نظام الفسخ يعطي للدائن الحق في اللجوء إلى القاضي لحل الرابطة التعاقدية ، و يجيز له أيضا أن يفسخ العقد دون اللجوء إلى القضاء عندما يكون هناك اتفاق في العقد ، و ذلك كله عندما يكون عدم التنفيذ راجعا إلى المدين ، فهل يستطيع المتعاقد الدائن أن يتحلل من التزاماته عندما يكون عدم التنفيذ راجعا إلى السبب الأجـنبي ؟ هذا ما سنتناوله في الفصل الأخير من مذكرتنا :

ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : الدكتور : أنور سلطان –الموجز في النظرية العامة للإلتزام "مصادر الإلتزام"‑ دار الجامعة الجديدة ‑طبعة 2006‑ص: 344
إن عـدم تنفيـذ العقـد يرجـع إلى عدة أسبـاب ، فتـارة يكون الإنسـان هو المتسبب فيـه ، و تـارة أخـرى لا يكـون له يـد فيـها .
و لقد رأينا من خلال الفصليين السابقين ، كيف أن عـدم التنفيذ الذي يرجع إلى المديـن يؤدي إلى فسـخ العقد ، أمـا في هذا الفصـل سنحـاول أن نعرف ما مصيـر العقـد عندما لا يكـون عـدم التنـفيذ راجعـا للمديـن ، و إنما يرجع إلى السبب  الأجنبي ؟



































المبحـــث الأول : تعريـف ، و شـروط انفســاخ العقــد بقـوة القــانون :
المطلـب الأول : تعريـف انفسـاخ العقـد بقـوة القــانون :
تنص المـادة 121 قانون مدني (1): " في العقود الملزمة للجانبين إذا انقضي التزام بسبب إستحالة تنفيذه انقضت معه الالتزامات المقابلة له و ينفسخ العقد بحكم القانون ".
المقصود باستحالة التنفيذ في الانفساخ هي الاستحالة المطلقة و الطارئة ، و التي يكون مرجعها إلى سبب أجنبي لا يد للمدين فيه ، و أن تكون هذه الاستحالة قد طرأت بعد انعقاد العقد ، لأنه لو كانت معاصرة لما نشأ العقد أصلا ، فاستحالة التنفيذ تؤدي إلى انقضاء العقد من تلقاء نفسه و بحكم القانون .
أما إذا استحال على المدين أن ينفذ التزامه ،  ولم يستطع إثبات أن هذه الاستحالة ترجع إلى سبب أجنبي لا يد له فيه ، حكم عليه بالتعويض لعدم الوفاء بالتزامه طبقا للمـادة 176 قانون مدني التي تنص : " إذا استحال على المدين أن ينفذ الالتزام عينا حكم عليه بتعويض الضرر الناجم عن عدم تنفيذ التزامه ، ما لم يثبت أن استحالة التنفيذ نشأت عن سبب لا يد له فيه ، و يكون الحكم كذلك إذا تأخر المدين في تنفيذ التزامه ".
كما نصت المادة 307 قانون مدني على: " ينقضي الالتزام إذا أثبت المدين أن الوفاء به أصبح مستحيلا عليه لسبب أجنبي عن إرادته " .
و يتضـح من خلال النصوص الثلاثة السالفـة الذكر ، أنه إذا استحال تنفيـذ الالتزام العقـدي بسبـب أجنبي عن المديـن كقـوة قاهرة أو فعل الغير ، فإن الالتـزام ينقضي ، و ينقضـي معـه الالتـزام المقابـل و هذا ما يطلق عليه انفساخ العقد.
و كما سبق القول فإنه يقصد بالاستحالة هي الاستحالة المطلقة ، فإذا اشترى شخص منزلا ثم هدمه زلزال فيستحيل على البائع تسليمه للمشتري ، و بالتالي ينقضي التزامه بالتسليم و يترتب عليه زوال أو انقضاء التزام المشتري بدفع الثمن ، فالعقد في هذه الحالة ينفسخ بحكم القانون من دون اللجوء إلى القضاء كما في الفسخ القضائي ، و من غير وجود اتفاق ينص صراحة على ذلك كما هو الشأن في الفسخ الاتفاقي .
و لكن لا ينحل العقد الملزم للجانبين بقوة القانون إلا إذا توافرت شروط معينة  نتطرق  إليها في الفرع الموالي:
المطلـب الثانـي : شـروط انفسـاخ العقـد بقـوة القــانون :يستخلص من تعريف الانفساخ السابق الذكر ، ومن النصوص القانونية الواردة بصدد الاستحالة التي تحول دون تنفيذ العقد ، أن انحلال العقد بقوة القانون و زوال الالتزامات المترتبة عنه لا يمكن تحققه إلا بتوافر شروط معينة هي :
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : المعدلة وفقا للقانون رقم : 05‑10 المؤرخ في : 20‑ 06‑2005 المعدل و المتمم للأمر 75‑58 المؤرخ في 26‑09‑1975

و المتضمن القانون المدني .
(1الفــرع الأول: نشـوء الاستحالـة بعـد إبـرام العقـد:
معناه هو وجوب أن تكون هذه الاستحالة التي أدت إلى عدم تنفيذ العقد قد نشأت في تاريخ لاحق لقيام العقد ، أما إذا كانت الاستحالة قد نشأت قبل إبرامه فإننا لا نكون أمام حالة انفساخ ، و إنما أمام البطلان ، لأن العقد لم ينعقد أصلا ، أي يقع باطلا ، لاستحالة محله .
الفــرع الثانـي : وجـوب تمـام الاستحـالـة :
معناه أن تكون الاستحالة تامة، أي شاملة لجميع الالتزامات الناشئة عن العقد، أما إذا كانت الاستحالة جزئية، فإن العقد يبقى لما بقى ممكنا من محل الالتزام (1).
و إن طلب الدائن الفسخ يكون على أساس المـادة 119 قانون مدني ، و هو ما يستفاد أيضـا من نـص المـادة 481 من نفس القانون ، التي أعطت الحق في الاختيار بين فسخ العقد أو إنقاص الثمن عندما تهلك العين المؤجرة جزئيا ، أو تصبح غير صالحة للاستعمال الذي أعدت من أجله ، و لم تنص على الانفساخ .
الفـرع الثالـث: استحـالـة التنفيـذ راجعـة إلى سبب أجنبـي:
يجب أن تكون استحالة التنفيذ راجعة لسبب أجنبي عن المدين ، أي لا يد له فيه(2) ، و الحكمة من هذا الشرط ، هو أنه بتحققه ينتفي حق الدائن في الخيار بين المسؤولية العقدية ، و فسخ العقد قضائيا.
و إن مجرد تحقق هذا الشرط يؤدي إلى انفساخ العقد بحكم القانون ،و ذلك بغض النظر عما إذا كانت الاستحالة ، استحالة مادية كتهدم المنزل محل البيع قبل تسليمه من طرف البائع ، أو استحالة قانونية كنزع ملكية هذا المنزل .
و عليه فإن الاستحالة التي يتسبب فيها المدين لا تؤدي إلى انفساخ العقد ، رغم أنها تؤدي إلى استحالة تنفيذ العقد تنفيذا عينيا ، و يبقى للدائن أن يطالب بالتنفيذ بمقابل طبقا للمـادة 176 قانون مدني ، أو يطالب بفسخ  العقد طبقا لنص المـادة 119 من نفس القانون .
 كما يجب الإشارة إلى أنه بما أن التنفيذ لم يعد ممكنا فلا محل للقيام بالاعذار ، فالإعذار  لا يتصور إلا إذا كان التنفيذ ممكنا ، و العقد ينفسخ تلقائيا بحكم القانون دون حاجة إلى اللجوء إلى القضاء .
و بما أن هذا النوع من الفسخ يتم بقوة القانون فلا حاجة إلى القضاء، غير أنه يحدث و أن يرفع النزاع أمام القاضي، لهذا نتساءل ما هو دور القاضي و دور كل من الدائن و المدين في هذا الصدد باعتبارهما طرفي العلاقة التعاقدية ؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في المبحث الموالي:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1‑الدكتور:محمد صبري السعدي:شرح القانون المدني الجزائري‑مصادر الإلتزام‑الجزء الأول‑دار الهدى‑طبعة:2004‑ص:388.
2‑قرار المحكمة العليا‑ الغرفة المدنية‑ رقم : 77234 مؤرخ في : 13‑01‑1992 – ملحق رقم : 04 .
المبحــث الثانــي : سلطـة كل مـن القاضـي ،  والمتعاقديـن في إيقـاع الانفسـاخ من عدمه.
من خلال هذا المبحث سنحاول البحث عن دور القاضي في الانفساخ في حالة ما إذا رفع إليه النزاع ، ثم مدى موقف المتعاقدين من انفساخ العقد ؟ .
المطلـب الأول : سلطـة القاضـي التقديريـة في إيقـاع الانفسـاخ من عدمه
بمجرد تحقـق الشروط السالفة الذكر لانفساخ العقد ، فإنه يقع بحكم القانـون و بدون تدخل القاضـي ، غير أنه قد يقع نزاع بين المتعاقدين بشأن تحقق الاستحالـة من عدمها ،مما يحتم اللجوء إلى القضـاء للفصـل في النزاع بما له من سلطة في هذا المجال .
إلا أن سلطة القاضي في هذا المجال تختلف عن سلطته التقديرية في الفسخ القضائي ، وذلك أن مهمته في الانفساخ بقوة القانون تنحصر فقط في التحقق من وقوع الاستحالة أو عدم وقوعها .
و إذا تحقق القاضي من وجود الاستحالة فإنه يصدر حكما مقررا للانفساخ ، لأن هذا الأخير سبق و أن تحقق بمجرد توافر شروطه ، أما إذا تبين له أن الاستحالة لم تقع و هي وهمية ، فهنا يبقي على العقد لأن الاستحالة لا وجود لها من الناحية القانونية وفقا لما تقتضيه المـادتين : 121 ، 176 قانون مدني ، و لا يبقى للدائن في هذه الحالة و لحماية حقه ، إلا المطالبة بالتنفيذ ، أو المطالبة بالفسخ طبقا للمـادة 119 قانون مدني .
و عليه نخلص إلى أن دور القاضي في هذا المجال يكاد ينعدم ،بحيث أنه إذا ما تحقق من شروط الانفساخ ، فهذا يعني زوال العقد ، ومنه لا يستطيع رفض الانفساخ إذا ما تحقق من صحة استحالة التنفيذ .
و منه فحل الرابطة التعاقدية عن طريق الانفساخ لا يحتاج إلى صدور حكم قضائي ، كما هو الحال في الفسخ القضائي ، و لا إلى منح مهلة للمدين ، لأنها لا تعطى إلا إذا كان العقد لا يزال قائما .
المطلـب الثانـي : سلطـة المتعاقديـن في إيقـاع الانفسـاخ من عدمـه :
و من خلال هذا المطلب سنحاول معالجة مدى سلطة الدائن في إيقاع الانفساخ في الفرع الأول ، أما في الفرع الثاني فإننا سنعالج مدى سلطة المدين في تفادي الانفساخ .
الفـرع الأول : مـدى سلطـة الدائـن في إيقـاع الانفسـاخ :
إن الاستحالة التي يتطلبها الانفساخ تكون في جانب المدين ، و هي تؤدي إلى انقضاء التزاماته ، و تنقضي بالمقابل التزامات الدائن ، وعليه ينفسخ العقد بقوة القانون .
و على هذا الأساس ، لا يكون الدائن بحاجة إلى رفع دعوى أمام القضاء ، ما دام القاضي لن يغير من الأمر شيئا، و منه فإن الدائن لا حاجة به إلى القيام باعذار المدين ، على النحو الذي يجري به العمل في حل الرابطة التعاقدية عن طريق الفسخ وفقا للمـادتين : 119، 120 من القانون المدني ، ما دام أن العقد لم يعد قائما في الانفساخ ، ويترتب على ذلك أن حق الدائن في الخيار بين طلب التنفيذ و الفسخ لم يعد له المجال ما دام أن العقد قد انحل بقوة القانون .
الفـرع الثانـي : مـدى سلطـة المديـن في تفـادي الانفسـاخ :
تطبيقا لقاعـدة " العقـد شريعـة المتعاقديـن " في مفهومها الواسع ، و لما يقتضيه حسن النية في تنفيذ  العقد ، فإنه على المدين أن يقوم بكل ما في وسعه من أجل تحقيق مصلحة المتعاقد الدائن ، لكن إذا قام بكل هذا و مع ذلك وقعت الاستحالة في التنفيذ مما جعل الرابطـة التعاقديـة تنحـل بقوة القانـون ، و بالتالي إنقضاء الإلتزامات التي كانت على عاتقه .
و منه فإن المدين لا يستطيع تفادي انفساخ العقد ، كما هو الحال في الفسخ القضائي و الاتفاقي كما سبق التطرق إليه ، لأن الأمر في الانفساخ يتعلق باستحالة راجعة إلى سبب أجنبي ينتهي معها العقد بحكم القانون (1).
و منه في الانفساخ ،بمجرد تحقق الاستحالة في التنفيذ ، لا يمكن للمدين أن يتفادى إيقاعه و أن انحلال الرابطة التعاقدية قد يقع رغم أنه قد لا يرغب في ذلك ، خاصة و أنه يقع عليه تحمل تبعة الانفساخ كقاعدة عامة و هذا ما سنتطرق إليه في المبحث الموالي :












ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1): الأستاذ : بلعيور عبد الكريم – المرجع السابق – ص : 253 .
المبحــث الثالــث : تحمـل تبعـة الانفســاخ :
من خلال هذا المبحث سنحاول أن نعرف ما المقصود بمبدأ تحمل التبعة ، ومن يتحملها في حالة انفساخ العقد بقوة القانون ؟ ثم سنتطرق إلى تطبيقات هذا المبدأ على بعض العقود وفقا للقانون المدني الجزائري ..
المطلــب الأول : المقصــود بمبـدأ تحمـل التبعـة :
يعالج هذا المبدأ نتائج استحالة تنفيذ الالتزام في العقود الملزمة للجانبين ، عندما تكون هذه الاستحالة ناشئة عن قوة قاهرة ، لأنه لا توجد صعوبة في العقود الملزمة لجانب واحد نظرا لأن الالتزام الوحيد ينقـضي في هذه الحالة  (1),و لقد نص المشرع على مبدأ تبعة الهلاك في المـادة 121 قانون مدني : " في العقود الملزمة للجانبين إذا انقضى التزام بسبب استحالة تنفيذه انقـضت معه الالتزامات المقابلة له و ينفسخ العقد بحكم القانون " و يستفاد من هذا النص أنه في حالة استحالة تنفيذ الالتزام بسبب أجنبي ، فإن العقد ينفسخ بقوة القانون ، و يترتب على ذلك أن يتحمل المدين بالالتزام تبعة الهلاك في العقود الملزمة للجانبين ، ذلك أن التزام المدين ينقضي لاستحالة تنفيذه ، وينقضي تبعا لذلك الالتزام المقابل ، إذ لا يستطيع المدين بالرغم من أن إستحالة وفائه بالتزامه راجع إلى سبب أجنبي ، أن يطالب بتنفيذ الالتزام المقابل نظرا لفكرة الارتباط ما بين الالتزامات المتقابلة في العقود الملزمة للجانبين و يترتب على ذلك أن المدين يتحمل في النهاية الخسارة أي يتحمل تبعة الهلاك .
المطلــب الثانـي : تطبيقـات هذا المبـدأ على بعـض العقــود :
كما سبق ذكره في المطلب الأول ، فإن تحمل التبعة في العقود الملزمة للجانبين يقع على المدين ، سواء كانت العقود ناقلة للملكية ، أو غير ناقلة لها .
و للتوضيح أكثر نأخذ على سبيل المثال لا الحصر نموذجين لتطـبيق هذا المبدأ، الأول يتعلق بعقـد ناقل للملكية و هو عقد البيع، أما الثاني فيتعلق بعقد غير ناقل للملكية ألا و هو عقد الإيجار:
الفــرع الأول: عقـد البيـع:
لقد نصت المـادة 369 قانون مدني في مجال تنظيم عقد البيع على أنه :" إذا هلك المبيع قبل تسليمه بسبب لا يد للبائع فيه سقط البيع و استرد المشتري الثمن إلا إذا وقع الهلاك بعد إعذار المشتري بتسليم المبيع"


ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) :François Terré ,Philippe Simler ,Yves Lequette –Droit civil –Les obligations –5éme éditions –Editions dalloz :1993 – Page : 488 .
أي البائع يبرأ من التزامـه بتسليم الشيء بسبب هلاك ذلك الشيء بقـوة قاهرة ، أما المشتـري فلا يلتـزم بدفع الثمن ، و إن كان قد دفعه فله أن يستـرده ، وبذلك يكون الهـلاك على البائع ، إلا إذا كان قـد أعذر المشتـري ليتسلم منه المبيـع ، فحينئذ يتحمل المشتـري تبعة الهلاك ، و منـه فإن تبعة هلاك الشيء محـل
الالتزام بالتسليم تنتقل بسبب الاعذار من طرف أخر (1) .
الفـرع الثانـي : عقـد الإيجـار :
تنص المـادة 481/1 قانون مدني على أنه : " إذا هلكت العين المؤجرة أثناء مدة الإيجار هلاكا كليا يفسخ الإيجار بحكم القانون " ، كما أوجبت المـادة 503 من نفس القانون أن يرد المستأجر العين المؤجرة بالحالة التي تسلمها عليها ، و جاء في فقرتها الثالثة : " المستأجر مسؤول عما يلحق العين المؤجرة من هلاك أو تلف ما لم يثبت أنه لا ينسب إليه " كما نصت المـادة 496/1 من نفس القانون: " المستأجر مسؤول عن حريق العين المؤجرة إلا إذا أثبت أن الحريق نشأ عن سبب ليس من فعله " .
و يستفاد من هذه النصوص أنه إذا هلكت العين المؤجرة بكاملها بقوة قاهرة ينفسخ العقد بحكم القانون ، و من ثمة فإن ذمة المستأجر تبرأ من التزامه بدفع الأجرة ، و تقع تبعة الهلاك على المؤجر باعتباره المدين بالالتزام الذي لم ينفذ ، أي التزامه بتمكين المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة و منه فإن تبعة الهلاك تقع على المدين .
و كخلاصة لما تقدم ذكره ، نقول بأن انفساخ العقد ما هو إلا نوع من أنواع الفسخ ، و بالتالي فهو يؤدي أيضا إلى ترتيب آثار سواء فيما بين المتعاقدين أو في مواجهة الغير ، و هذا ما سنتطرق إليه في المبحث الموالي :








ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : الدكتور : العربي بلحاج : النظرية العامة للالتزام في القانون المدني الجزائري –الجزء الأول – التصرف القانـوني – العقد و الإرادة المنفردة –ديوان المطبوعات الجامعية – ص : 322
المبحــث الرابـع : أثار انفسـاخ العقـد بقـوة القانـون :
إذا انفسخ العقد بحكم القانون ، ترتب على انفساخه من الأثر ما يترتب على فسخه بحكم القاضي ، أو بحكم الاتفاق ، كما سبق التطرق إليه ، سواء فيما بين المتعاقدين ، أو في مواجهة الغير ، غير أنه قد تكون هناك بعض الاختلافات ، و هذا ما سنحاول تبيانه في المطلبين التاليين :
المطلب الأول : أثار الانفساخ فيما بين المتعاقدين :
كما سبق و أن بيناه آنفا أن نص المـادة 122 قانون مدني ، هو نص  عام يبين ما يترتب على الفسخ من آثار بصفة عامة - أي مهما كان نوع الفسخ – و منه فهو ينطبق أيضا على الانفساخ .
و على هذا الأساس ، يعاد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل إبرام العقد ، و بذلك يتحلل كلا من المتعاقدين من الالتزامات التي تربط أحدهما بالآخر, بمعنى أن الالتزامـات الناشئـة عن هذا العقد تـزول، و يترتب على ذلك أنـه يجب رد ما تم تنفيـذه إلى أصلـه، و يعتبـر كأن لـم يكـن.
و ما يلاحظ ، هو أن المشرع نص في المـادتين : 119 ، 120 قانون مدني على جواز أن تحكم المحكمة بالتعويض ، ما عدا في حالة الانفساخ بقوة القانون ، فلا وجود للتعويض لأن المدين يكون التزامه قد انقضى بسبب قوة قاهرة لا دخل له فيها ، لأن الفسخ كقاعدة عامة له آثر رجعي و يعتبر في هذه الحالة كأن لم يكن .
كما أن بعض من الفقه يستثني عقود المدة من الأثر الرجعي كما سبق بيانه، إلا أن المشرع الجزائري وضع قاعدة تفيد بأن الفسخ يزيل العقد بأثر رجعي، دون أن يستثنى فئة معينة من العقود.
و منه نتوصل بأن الآثار التي تترتب على انفساخ العقد بقوة القانون بالنسبة للمتعاقدين هي نفسها المترتبة في الفسخ القضائي و الاتفاقي ، إلا في مسألة التعويض .
المطلب الثاني : أثار الانفساخ بالنسبة إلى الغير :
باعتبار نص المـادة 122 قانون مدني جاء عامـا في هذا الصدد ، فبالتالي ما ينطبـق على الفسـخ بنوعيـه السابقيـن ، ينطبق حتمـا على الانفسـاخ من حيـث الآثار في مواجهة الغيـر الذي يكون قد تلقى حقـا معينا مـن أحد المتعاقدين .
فمثلا إذا ما رفعت دعوى أمام القضاء للتحقق من استحالة التنفيذ ، و قام الدائن بتسجيل دعوى الانفساخ بناءا على ما تقتضيه المـادتين : 15 ، 16 من قانون 74-75 ، فإن هذا التسجيل يكون حجة على المتعاقدين و على الغير إذا ما ترتبت لهم حقوق  عينية ابتداء من تاريخ تسجيل تلك الدعوى .
و دون داعي للتكرار ، فكما سبق القول ، فإن الآثار التي تترتب على الانفساخ بالنسبة إلى الغير هي نفسها المترتبة على الفسخ القضائي ، و الفسخ الاتفاقي و التي عالجناها من قبل .
كما يجب أن نضيف أنه في حالة ما إذا رفع الدائن دعوى ضد المدين لكي يتحقق من الاستحالة الذي أدت إلى انفساخ العقد بقوة القانون ، فلا يرفعها ضد الغير لأنه لم يكن طرفا في العقد ، ومنه إذا تمت الاستـجابة لطـلبه و أن الاستحالة لم تتحقق فإنه يرفع دعوى الاسترداد عليه .
و في الأخير نلخص بأن انفساخ العقد هو نوع من أنواع الفسخ ، إلا أنه هناك فروق تميزه عن كل من الفسخ القضائي ، والفسخ الاتفاقي ، وهذا ما سنحاول إبرازه في المبحث الموالي :





















المبحـث الخامـس : الفـروق المميـزة للانفسـاخ عن كل من الفسـخ القضائـي و الاتفاقـي :
يختلف الانفساخ الذي يقع نتيجة إستحالة التنفيذ عن الفسخ يكون سببه عدم تنفيذ المدين لالتزاماته من عدة نواحـي ، رغم أن المتعاقد الدائن يتحلل من التزاماته في الحالتين و ذلك فيما يلي :
المطلـب الأول : مـن حيـث الإجـراءات :
من خلال هذا المطلب سنعالج الفروق التي بين الانفساخ و الأنواع الأخرى من حيث الحكم القضائي في الفرع الأول ، و في الفرع الثاني سنتطرق للفرق الموجود بينهم من حيث إجراء الإعذار :
الفـرع الأول : مـن حيـث الحكـم القضائـي :
عندما يستحيـل التنفيذ على المدين بسبب تدخل السبب الأجنبـي ، فإنه لا حاجـة إلى حكم قضائـي لإيقـاع الانفساخ ، لأن العقد ينحل بحكم القانـون ، غير أنه إذا وقع نزاع بين الطرفيـن ، و أصدر القاضي حكـما يقضي بالانفسـاخ فيعتبر حكمه كاشفـا له ، لأن دوره – القاضي – يكمن في التحقق من وجـود الاستحالـة ، و منه فهو يقترب من فسخ العقد بإرادة الدائـن بناء على اتفاق سابـق إذ يكون حكم القاضي مقررا للفسـخ الاتفاقـي و ليس منشئا له لأن دوره كذلك يكون في التحقق من توافر شروط الفسخ الاتفـاقي سواء كانت موضوعية أو إجرائية ،كما سبق بيانه في الفصل الثاني من مذكرتنا .
لكنهما يختلفان في أن الفسخ الاتفاقي لا يتم إلا بناءا على إعلان الدائن رغبته في حل الرابطة التعاقدية ، في حين أن الانفساخ لا دخل لإرادته في ذلك ، بل يقع و لو لم يرض به .
أما الحكم الذي يصدره القاضي في مجال الفسخ القضائي يكون حكما منشئا للفسخ ، إذ للقاضي سلطة تقديرية واسعة فيه ، فهو ليس ملزما رغم توافر شروطه و إجراءاته بأن يحكم به .
الفـرع الثانـي : مـن حيـث الإعـذار :
إن إجراء الإعذار المنصوص عليه في المـادتين : 119 ، 120 قانون مدني ، في كل مـن الفسـخ القضائـي و الاتفاقي لا محل له في انفساخ العقد بقوة القانون .
لأن الحكمة من الإعذار هي مطالبـة الدائن لمدينه بتنفيذ التزامه , إلا أنه في الانفسـاخ, التنفيذ لم يعد ممكنـا ، و بالتالي تنتفي الحكمـة من مطالبة الدائن به ، وكذلك لأن إلتزام الطرف الأخر في حقيقـة الأمر قد زال قبل أن يسقط التزام الدائن .
المطـلب الثانـي : مـن حيـث التعويـض :
قد يتضرر الدائن في مجال الانفساخ ، من إستحالة التنفيذ ، و مع ذلك فليس له الحق في المطالبة بالتعويض لأن السبب الذي أدى إلى عدم التنفيذ لا يرجع إلى تقصير المدين ، و إنما راجع لسبب أجنبي ، و لا يد له فيه .
                                
في حين أنه يجوز للدائن ، إلى جانب فسخ العقد قضائيا أو اتفاقيا ، الحصول على التعويض عن كافة الأضرار التي نتجت عن إخلال المدين بالتزامه ، و يكون التعويض هنا على أساس المسؤولية التقصيريـة لا المسؤوليـة العقـدية ، لأن العقد قد حكـم بفسخه فلا يصلح التعويـض على أساسـه ، بينما هذا التعويض لا وجود له في حالة انفساخ العقد بقوة القانون .
 و على هذا الأساس نقول أن هذه هي الأنواع الثلاثة التي نظمتها القواعد العامة الخاصة بالفسخ العقـد و التي تناولها المشـرع الجزائري في المـواد : 119 ، 120 ، 121 قانون مدني ، إلا أنه هناك نوع خاص مـن الفسخ تطرق إليه في نص المـادة 392 قانون مدني عند تنظيمه لعقد البيع ، عنـدما يكون المبيع عروضـا تجاريـة ، أو غيرها من المنقـولات ، والذي أطلق عليه البعض تسمية " الفسـخ بإرادة البائـع المنفردة بناء على نص قانوني " (1) , وسبب قولنا بأنه نوع خاص من فسخ العقود الملزمة للجانبين ، كونه يختلف عن الفسخ القضائي في أنه يقع دون إتباع الإجراءات الواجبة في الفسخ القضائي ، كما أن السلطة التقديرية الواسعة التي يتمتع بها القاضي في الفسخ القضائي ، لا وجود لها في فسخ العقد وفقا للمـادة 392 قانون مدني ،إضافة أنه منح الحق في الفسخ للبائع دون المشتري ، و أعطى أهمية للآجل في حد ذاته أكثر من كم الالتزامات .
كما انه لا يعتبر من تطبيقات الفسخ الإتفاقي ، لأن الفسخ طبقا للمـادة 392 قانون مدني لا يشترط فيه الإعذار بينما في الفسخ الاتفاقي فلا يجوز حتى الاتفاق على الإعفاء منه .
كما أنه ليس بانفساخا ، لأنه لكي يكون كذلك يجب أن يكون التزام المشتري مستحيل التنفيذ بسبب تدخل عوامل خارجة عن إرادته تتمثل في السبب الأجنبي ، في حين أن الاستحالة في فسخ بيع العروض و المنقولات ليست مشترطة ، و لم يشر إليها النص على الإطلاق .
و لقد نظم المشرع هذا النوع لكي يوفر حماية أكثر للبائع في هذه العقود من الأخظار التي يتعرض لها المبيع ، كالتلف ، أو تغير الأسعار في السوق ، لهذا أعطاه – للبائع – حق فسخ العقد بإرادته المنفردة بمجرد تخلف المشتري عن دفع الثمن  في الميعاد المحدد في العقد ، حتى يستطيع بعد ذلك أن يتصرف  في المبيع مرة أخرى دون مسؤولية عليه (2) .
و منه فإن المشـرع الجزائري قد خرج في هذا النوع الأخير من الفسخ عن القواعد العامة التي جاءت بها المـواد: 119، 120، 121 قانون مدني و هي المواد الأساسية لقيام نظرية فسخ العقد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
 (1): الأستاذ : بلعيور عبد الكريم – المرجع السابق – ص : 269

(2) : الدكتور : محمد حسنين – عقد البيع في القانون المدني الجزائري –  ديوان المطبوعات الجامعية –  الطبعة الثالثة 1990 ,
ص: 185 .

الخــاتمــة

في نهاية هذا البحث الموجز الذي تناولنا فيه موضوع  فسـخ العقد في القانـون المدني الجزائـري ، و الذي حاولنا من خلاله الإلمام قد المستطاع بأهم النقاط التي يثيرها هذا الموضوع الهـام و الواسع ، و الذي رغم تداخله ببعض الأنظمة القانونية المشابهة له ، إلا أنه يبقى موضوعا مستقل بذاته و له قواعده و أحكامه الخاصة به .
و منه نتوصل إلى استخلاص بعض النتائج و التي يمكن حصرها فيمايلي :
أولا : تبين لنا أن المشرع الجزائري عند تنظيمه للقواعد العامة التي تحكم فسخ العقد ، أخذ بالأنواع التي وصل إليها الفكر القانوني الحديث ، مما جعل من الفسخ القضائي هو الأصل عندما يكون عدم التنفيذ راجعا إلى المدين ، و استثناءا عليه نص على الفسخ الاتفاقي ، أما إذا كان عدم التنفيذ راجعا إلى سبب أجنبي فيكون الفسخ بحكم القانون ، أو انفساخا للعقد كما يسميه أغلبية الفقهاء .
كما توصلنا إلى أن المشرع الجزائري نص على نوع خاص من فسخ العقد في المـادة 392 قانون مدني ، عندما يتعلق الأمر بفسخ عقد بيع العروض التجارية و المنقولات ، و هو نوع لا يندرج تحت أي نوع من أنواع الفسخ التي جاءت بها القواعد العامة .
ثانيا : اتضح لنا أيضا و بعد تعرضنا لسلطة القاضي التقديرية في إيقاع كل نوع من الفسخ  ، أن هذه السلطة التقديرية تتسع إلى أبعد الحدود في مجال الفسخ القضائي ، و تضيق في مجال الفسخ الاتفـاقي و تكاد تنعدم في مجال الانفساخ و الفسخ طبقا للمـادة 392 قانون مدني .
أما بالنسبة للدائن ، فمتى توافرت شروط الفسخ ، فإنه يسمح له بالخيار بين الفسخ أو المطالبة بالتنفيذ ، إلا في حالة الانفساخ بقوة القانون الذي يصبح فيها التنفيذ مستحيلا ، كما له أن يعدل عن طلب الفسخ القضائي ما دام الحكم لم يصر نهائيا ، بينما لا يجوز له ذلك في الفسخ الاتفاقي إذا صدر عنه إعلان بالتمسك بالفسخ ، و لا مجال أيضا لهذا العدول في الانفساخ لأن الرابطة التعاقدية في هذه الحالة انحلت بحكم القانون .
أما المدين ، فله أن يتفادى الفسخ القضائي ما دام الأمر لا يزال أمام القضاء ، و له نفس الشيء في الفسخ الاتفاقي ما دام الدائن لم يعلن بعد عن رغبته في الفسخ ، و لا يستطيع أن يتفاداه في حالة الانفساخ لأنه يقع رغما عنه .
ثالثا : بعد أن خصصنا المباحث الأخيرة في كل الفصول للآثار المترتبة على كل نوع من أنواع الفسخ تبين لنا أن فسخ العقد يعني زواله بأثر رجعي كقاعدة عامة و إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد ، كما يمكن الحكم بالتعويض لصالح المتعاقد الذي لم يستطيع استرداد ما قدمه للمتعاقد الآخر .
 كما بيّنا موقف المشرع الجزائري بشأن الأثر الرجعي للفسخ على عقـود المدة ، إذ تبين لنا من خلال النصوص القانونية أنها تشمل جميع العقود الملزمة للجانبين دون تمييز بينها ، ومنه فاستحالـة الرد و التعويض عنها الواردين في نص المـادة 122 قانون مدني يمكن أن نطبقها على عقود المدة .
 كما أن الأثر الرجعي الذي يرتبه فسخ العقد ، لا يقتصر على زوال العقد ، و ما نشأ عنه من التزامات بالنسبة إلى أطرافه فحسب ، بل يتعدى أثره إلى الكافة ، إلا أنه هناك حالات تقرر فيها حماية الغير خاصة الحسن النية من اثر فسخ العقد الخطير .
هذه هي أهم النتائج التي توصلنا إليها من خلال البحث الوجيز المتواضع ، إلا أننا ارتأينا أن نقدم اقتراحين يخصان موقع النصوص المنظمة لفسخ العقد في القانون المدني :
أولا : إن المشرع الجزائري عند ترتيبه للنصوص المتعلقة بالفسخ و الدفع بعدم التنفيذ ، قدم النصوص المتعلقة بالفسخ على النص المنظم للدفع بعدم التنفيذ و هو ترتيب غير منطقي ، كون الدفع بعدم التنفيذ لا يؤدي دائما إلى الفسخ .
لهذا اقترح وضع نص المـادة 123 قانون مدني قبل النصوص المنظمة للفسخ .
ثانيا : المشرع الجزائري وضع النصوص المنظمة للفسخ تحت عنوان :" انحلال العقد " وهو ليس بعنوان دقيق ، كون هناك أنظمة أخرى تؤدي إلى إنحلال العقد كما سبق و أن تطرقنا إليه في مقدمة مذكرتنا و هي لا تندرج ضمن مفهوم الفسخ .
لهذا اقترح عدم الخلط بين النصوص المنظمة للفسخ و الدفع بعد التنفيذ ، و عنونة النصوص المنظمة للفسخ تحت عنوان خاص بها " فسخ العقد " بدلا من " انحلال العقد " .












المراجع
أولا :باللغة العربية
لكتب :
1‑ الدكتور:العربي بلحاج :النظرية العامة للإلتزام في القانون المدني الجزائري –الجزء الأول‑التصرف القانوني  العقد و الإرادة المنفردة –ديوان المطبوعات الجامعية ‑ الطبعة الثالثة 2004 .

2‑ الدكتور :أنور سلطان : الموجز في النظرية العامة للإلتزام "مصادر الإلتزام" –دار الجامعة الجديدة  ‑ طبعة 2006 .
3‑ الدكتور :رمضان أبو السعود :مصادر الإلتزام‑ دار الجامعة الجديدة –طبعة 2006 .
4‑  الدكتور :سليمان مرقس :أصول الإلتزامات – مصادر الإلتزام –الجزء الأول –القاهرة  سنة 1960 .
5‑ الدكتور :عبد الحميد الشواربي : فسخ العقد في ضوء القضاء و الفقه –توزيع دار الكتاب الحديث – طبعة 1990 .
6‑ الدكتور :عبد الحميد الشواربي : المشكلات العملية في ﺗﻨﻒﻳﺫ العقد –دار الفكر العربي – 1988 .
7‑ الدكتور :عبد الرزاق أحمد السنهوري :الوسيط في شرح القانون المدني –نظرية الإلتزام  مصادر الإلتزام – الجزء الأول – دار إحياء الثراث العربي –بيروت 1984 .
8‑ الدكتور :عبد المنعم فرج الصده : نظرية العقد في البلاد العربية  ‑طبعة 1974 .
9‑ الدكتور : محمد حسنين :عقد البيع في القانون المدني الجزائري – ديوان المطبوعات الجامعية – الطبعة الثالثة  1990 .
10‑ الدكتور :محمد صبري السعدي :شرح القانون المدني الجزائري –النظرية العامة للإلتزامات  مصادر الإلتزام –التصرف القانوني  العقد و الإرادة المنفردة –الجزء الأول –دار الهدى –طبعة 2004 .
11‑ الدكتور :مصطفى محمد الفقي :طبعة منقحة وفقا لما جد من تشريع و قضاء و فقه للوسيط في شرح القانون المدني  ‑نظرية الإلتزام مصادر الإلتزام –الجزء الأول –للدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري –دار النهضة العربية ‑1981 .
12‑الأستاﺬ :بلعيور عبد الكريم : نظرية فسخ العقد في القانون المدني الجزائري المقارن – المؤسسة الوطنية للكتاب –طبعة :2001 .
13‑ الأستاﺬ : عمر بن سعيد : الإجتهاد القضائي وفقا لأحكا م القانون المدني –دار الهدى – طبعة : 2004 .
14‑الأستاﺬ :محمد وحيد الدين سوار :النظرية العامة للإلتزام –مصادر الإلتزام العقد و الإرادة المنفردة –الجزء الأول – بدون سنة .




المـجـلات:*

1‑ الموسوعة الدولية للمحاماة – فسخ العقد في الشريعة الإسلامية –موقع الإنترنيت : www.arlawfirm.com

2‑ مجلة الرياض السعودية – ليوم :23‑06‑2006 – حق فسخ العقد و أثاره .

3‑ يومية الثورة السورية – فسخ العقد وفقا لنصوص القانون –المحامي :محمد عكروش  موقع الإنترنيت :      ‑ليوم : 25‑09‑2005 .mailto : admin @ thawra.com

4‑المجلة القضائية : العدد الأول – لسنة 2003 .


النصـوص القـانـونيـة :*

1‑ الأمر رقم :75­‑58 المؤرخ في :26 سبتمبر 1975 و المتضمن القانون المدني .

2‑قانون رقم :05 10 المؤرخ في :20 جوان 2005 المعدل و المتمم للأمر :75‑58 المتضمن القانون المدني.

3‑ قانون رقم :07‑05 المؤرخ في :13 ماي 2007 المعدل و المتمم للأمر :75‑58 المتضمن القانون المدني .

4‑ قانون رقم : 75‑74 المؤرخ في : 12 نوفمبر 1975 المتعلق بإعداد مسح الأراضي و تأسيس السجل التجاري .

المحاضرات و الدروس :*

1‑ الدكتور: حبار محمد : محاضرات في القانون المدني : ملقاة على طلبة السنة الثانية حقوق –جامعة وهران – السنة الجامعية :1999‑2000 .

2الدكتور : سلايم عبدالله : محاضرات في القانون المدني : ملقاة على الطلبة القضاة السنة الأولى – المدرسة العليا للقضاء – الدفعة السادسة عشر .

3الأستاﺫ : زودة عمر :محاضرات في الإجراءات المدنية :ملقاة على الطلبة القضاة السنة الأولى و الثانية – المدرسة العليا للقضاء – الدفعة السادسة عشر .





ثانيا : باللغة الفرنسية :

1‑François Terré – Philippe Simler –Yves Lequette : Droit civil – Les obligations‑ 5éme édition – éditions dalloz  1993 .

2‑Marty et Raynaud : Droit civil , Tome 2, Volume 1 ( Les obligations ) – Paris 1962 .

3‑Code civil français – Dalloz –Paris – 1995 ‑1996 .

شاركنا بتعليقك...

التعليقات



، اشترك معنا ليصلك جديد الموقع اول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

احصائيات الموقع

جميع الحقوق محفوظة

علوم قانونية وادارية

2010-2019