علوم قانونية وادارية علوم قانونية وادارية

اخر المواضيع

جاري التحميل ...

الموطن في القانون الدولي الخاص



the home - le domicile
الموطن
محمود جلال حمزة
الموسوعة العربية
التصنيف : القانون الخاص
رقم الصفحة ضمن المجلد : 259
جزء : الشخصية القانونية

أولاً ـ مفهوم الموطن وتعريفه وأهميته:
1ـ مفهوم الموطن le domicile: لا يستدل على الإنسان باسمه فقط، بل لا بد للدلالة عليه دلالة واضحة أن يعرف موطنه ومكان وجوده، ويطلق عليه فقهاء الشريعة الإسلامية تسمية المقام، وقد ميز رجال القانون بين الموطن والمسكن (الإقامة)، فالمسكن أو الإقامة هو المكان الذي يقطنه الشخص ولو إلى وقت معين، في حين يفهم من الموطن بأن له مدلولاً حقوقياً يعتبر أن كل شخص يرتبط به ارتباطاً وثيقاً. ويظهر الفرق بين الموطن والمسكن (الإقامة) إذا علمنا بأن المواطنة تتطلب من الشخص أن يُظهر إرادته في البقاء في مكان معين بصفة مستمرة، والإقامة العملية فيه بصورة دائمة غير قابلة للتحديد، في حين لا تتطلب الإقامة مثل هذه الشروط، فالمكان الذي يستقر فيه الإنسان لمدة معينة ويبقى فيه لمجرد الإقامة، هو في النظر القانوني، مسكن له يبدله متى شاء، فالشخص الذي يستأجر مسكناً في بلاد الاغتراب، لا يعدّ موطنه، بل يعدّ مكان إقامته، ولا يصبح مواطناً إلا إذا أبدى إرادته الاستقرارَ فيه والارتباطَ به. من أجل ذلك قال رجال القانون إن "الموطن هو مكان معين يكون للشخص صلة به تسمح باعتباره موجوداً فيه على وجه الدوام، بحيث يجوز لمن يريد أن يعامله قانونياً أو قضائياً أن يوجه إليه الخطاب في ذلك المكان، فيعتبر عالماً بذلك الخطاب ولو لم يعمل به بالفعل". ويقول بعضهم في المعنى ذاته ليس الموطن إلا المقر الذي يكون للمرء في نظر القانون.
2ـ تعريف الموطن: مما تقدم يتبين أن الموطن عند رجال القانون له معنى واحد، ولو أنهم عرّفوه تعريفات مختلفة، فقد عرّف بعضهم الموطن فقال: إنه مقام الإنسان ومحل إقامته، بل قال بعضهم إنه المكان الذي يقيم فيه المرء إقامة مستمرة ويعدّ موجوداً فيه دائماً ولو تغيب عنه في بعض الأحيان، يفترض أنه لا يجهل ما يحصل فيه مما يتعلق بنفسه. وعرفت أغلب القوانين العربية الموطن تعريفات متقاربة، وأضحى الموطن في هذه التشريعات المكان الذي يقيم فيه الشخص عادة. وبذلك أصبح الموطن والإقامة متحدين معاً، خلافاً لبعض القوانين الأجنبية، وبدا هذا الدمج واضحاً في تعريف الموطن في القانون المدني السوري إذ جاء في المادة (42) منه: "الموطن هو المكان الذي يقيم فيه الشخص عادة ويجوز أن يكون للشخص أكثر من موطن في وقت واحد، كما يمكن ألاّ يكون له موطن". (المادة 40 مدني مصري، المادة 39 مدني أردني، مطابقة للمادة 11 مدني كويتي). وفي القانون المدني القطري موطن الشخص هو المكان الذي يقيم فيه على وجه معتاد… (المادة 41 مدني قطري، 81/1 مدني إماراتي).
وهذا التصور الذي أخذت به القوانين السابقة الذكر، هو تصور واقعي يجعل الموطن هو المكان الذي يقيم فيه الشخص عادة، ويترتب على ذلك أنه يجوز للشخص أن يغير موطنه باختياره، فيعدّ المكان الجديد الذي يقيم فيه إقامة مستقرة موطناً له.
3ـ أهمية الموطن: كان للموطن في القوانين الأوربية القديمة شأن كبير، ذلك لأن هذه القوانين كانت تقوم على الأعراف والعادات، لذلك كان من المهم لتطبيق هذه الأعراف أن يكون الشخص مقيماً في المنطقة التي يسود فيها العرف، ومنذ انتشار الشريعة الإسلامية، ومنذ أن أصبح للقوانين الداخلية صفة الشمول والعموم، لم يعد للموطن تلك الأهمية في أكثر الشرائع الحديثة، وعلى الرغم من ذلك لا تزال فائدة الموطن وأهميته تنالان حيزاً كبيراً في نظر رجال القانون، إذ يعدّ الموطن عنصراً مهماً من عناصر الشخصية، فيكون وسيلة لتحديدها بصورة دقيقة، وتعيين مقرها.
وللموطن من الناحية القانونية أهمية كبرى وفوائد عظمى، فهو يكتسب أهمية في القانون الدولي الخاص إذ لمعرفة الموطن أثر مهم، وخاصة فيما يتعلق بوضع الأجانب في الدولة، ففي بعض الأحوال يطبق في القضايا المعروضة أمام القضاء قانون موطن الأجنبي، الأمر الذي يوجب معرفة موطن هذا الأجنبي للحكم في القضية المعروضة أمام القضاء، ولا تقتصر أهمية معرفة موطن الشخص على القانون الدولي الخاص، بل تتعداها إلى النواحي الداخلية أيضاً. فالمحكمة الصالحة للنظر في بعض القضايا، هي في الأصل محكمة موطن المدعى عليه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن التبليغات القانونية والقضائية والمذكرات، كلها تتطلب معرفة موطن الشخص المراد إعلامه. ولا يشترط تبليغ صاحب العلاقة بالذات في بعض الأحيان، بل يتم التبليغ في موطنه أو محل إقامته، وكثيرة هي القضايا التي تتطلب مباشرتها في الموطن، كالتركات والوصايا، والإفلاس، كلها تجري أمام السلطة المختصة في موطن المتوفى أو الموصي أو المفلس، ثم إن بعض الأعمال القانونية التي تتعلق بالأسرة، كالزواج يجب مباشرتها أمام المحكمة الشرعية الموجودة في موطن الزوجة، وكذلك استيفاء الديون وتأديتها يكونان في موطن المدين، ولعل ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة (345 مدني سوري) دليل على ذلك، إذ تقول: "2ـ أما في الالتزامات الأخرى (محل الالتزام عندما يكون شيئاً معيناً بالذات) فيكون الوفاء في المكان الذي يوجد فيه موطن المدين وقت الوفاء…".
وخلاصة القول أن تحديد الموطن وتعيينه يؤديان إلى تسهيل تعامل الناس فيما بينهم، فتفيد معرفته الشخص نفسه، كما تفيد مصلحة الآخرين، وعلاقتهم به وعلاقته بهم.

ثانياً ـ تعيين الموطن وتحديده:
اختلفت الشرائع في تحديد الموطن وما إذا كان بالإمكان تعدده أو تغييره.
1ـ في الشرائع الأنكلوسكسونية: في هذه الشرائع لكل شخص موطن أصلي شأنه شأن الجنسية. فموطنه هو الموطن الذي ينسب إليه منذ ولادته، ويظل الشخص محتفظاً بموطنه الأصلي ما لم يتخذ لنفسه موطناً جديداً، ويتشدد البريطانيون هي تحديد الموطن وتغييره بل يعدّونه الصلة التي تنشأ بين الشخص وبين منطقة معينة، ويعدّ الشخص منتسباً إليها، وعلى هذا الأساس يعدّ القانون أن لكل شخص موطناً أصلياً هو الموطن الذي ينسب إليه الشخص منذ ولادته، وهو موطن أبويه، إلا في بعض الحالات الاستثنائية، التي أجاز فيها القانون للشخص أن يكون له أكثر من موطن، أجملها رجال القانون في حالتين:
الحالة الأولى: وهي حالة البريطاني الذي يعيش خارج بلاده، فقد عدّ القانون أن لهذا البريطاني موطنين، أحدهما هو الموطن الذي يعيش فيه خارج بلاده فعلاً. والموطن الثاني هو الموطن الأصلي.
الحالة الثانية: حالة الشركات الأجنبية التي لها أكثر من موطن. موطن في بلادها، وموطن في المراكز التي تعمل بها في بريطانيا.
2ـ في الشرائع اللاتينية: ومنها القانون الفرنسي والقانون السوري، قبل صدور القانون المدني الجديد. فالموطن في هذه الشرائع، هو المركز الرئيس لأعمال الشخص، وهي بذلك تفّرق بين الموطن وبين محل الإقامة. فالموطن طبقاً لهذه الشرائع، تصور حقوقي يربط الشخص بمكان ما. أما المسكن فهو أمر مادي يقوم على السكن والإقامة الفعلية، وقد يتحدان وقد يفترقان، إلا أن الأصل وحدة الموطن دون تعدده. ولا يعدّ المسكن موطناً إلا إذا لم يكن للشخص موطن آخر، بمعنى أن وجود الشخص في مكان ما، لا يجعل من هذا المسكن موطناً، ما دامت إقامته فيه مؤقتة لا يتوافر فيها الاستمرار القانوني.
وللتخلص من قسوة تصور وحدة الموطن ومجافاته للواقع، حاول القضاء في فرنسا ومصر التوسع في اجتهاده تسهيلاً للمعاملات بين الشركات والأشخاص الاعتبارية وابتدع نظرية المحطات الرئيسية أو المراكز الفرعية الرئيسية ليتخطى وحدة الموطن إلى تعدد الموطن في بعض الحالات. كما أوجد نظرية الموطن الظاهر. وهو كل مكان يظهر للناس أنه موطن ذاك الشخص، ولو لم يكن كذلك، ولاسيما إذا كان مجهول الموطن.
3ـ الموطن في الشرائع الجرمانية: هذه الشرائع تعدّ موطن الشخص هو المكان الذي يقيم فيه عادة، وبمعنى آخر، إن الموطن هو محل الإقامة ذاته، وترى هذه الشرائع أنه ليس من المحتمل أن يكون للشخص موطن معين، كما يمكن أن يكون للشخص مواطن عدة في الوقت ذاته، ويزول موطن الشخص في جهة معينة بانقطاع إقامته فيها وقصده عدم العودة إليها. وهكذا فقد خالفت الشريعة الجرمانية الشريعتين الأنكلوسكسونية والشريعة اللاتينية، وجاءت بمبادئ تخالف كلاً من الشريعتين. ونظرت إلى الموطن، كما يقال، نظرة واقعية، تحتم أن يكون لكل شخص موطن، كما لا تمنع أن يكون للشخص عدد من المواطن، وأن يكون للمتجولين والرحل مواطن هي الأماكن التي يحلون بها. كما لا ترى هذه الشريعة أن يكون للشخص الواحد أكثر من موطن في الوقت ذاته.
4ـ الموطن في الشريعة الإسلامية: الموطن في الشريعة الإسلامية هو المقام، ومقام الشخص هو مركزه الشرعي الذي ينسب إليه ويقوم فيه باستيفاء ما له، وإيفاء ما عليه، بفرض أنه لا يجهل ما يحصل فيه مما يتعلق بنفسه، والفقه الإسلامي لم يعن كثيراً ببحث مقام الأشخاص لأنه لم تكن تتعلق به نتائج فقهية مهمة إلا بعد نشوء الأوضاع القانونية الجديدة.
5ـ الموطن في القانون المدني السوري: لم تنظم مجلة الأحكام العدلية قبل صدور القانون المدني السوري، قضية الموطن، إنما نص عليها قانون أصول المحاكمات العثماني، مقتبساً ذلك من القانون الفرنسي. 
أما القانون المدني السوري لعام 1949 فقد أخذ في المادة (42) منه بالمبدأ الذي أقره الفقه الحديث وما أخذت به الشريعة الإسلامية. فنص على أن:
«ـ الموطن هو المكان الذي يقيم فيه الشخص عادة.
ـ ويجوز أن يكون للشخص في وقت واحد أكثر من موطن، كما يجوز ألاّ يكون له موطن ما» (المادة 39 مدني أردني، 11 مدني كويتي، 41 مدني قطري).
وقد عالج المشرع موطن الشخص الطبيعي فصوّره في المادة (42) السابقة الذكر تصويراً واقعياً يستجيب للحاجات العملية، مستهدياً بأحكام الشريعة الإسلامية، كما فعل القانون المصري والقوانين العربية الأخرى.
فبحسب الفقرة الأولى من المادة (42) مدني سوري أصبح الموطن هو المكان الذي يقيم فيه الشخص عادة، وبذلك اتحد الموطن والمسكن، وبحسب الفقرة الثانية لم تعد لقاعدة وحدة الموطن أهمية، إذ من الممكن أن يكون للشخص عدة أماكن يقيم بها في وقت واحد، فقد تكون له إقامة في مدينة لوجود سكنه فيها، وله إقامة في مدينة أخرى لوجود مصلحة زراعية له فيها أو صناعية، وأن تكون له إقامة في بلد يصطاف به… إلخ، بل إن القانون المدني السوري يرى أن من الجائز ألاّ يكون للإنسان موطن معين مثل الغجر الذين يتسقطون أماكن الرزق ووجود الماء، والبدو الرّحل الذين يهيمون على وجوههم طلباً للمرعى والماء وسعياً وراء الرزق. فمثل هؤلاء ليس لهم موطن معين.
وقد يبدو للوهلة الأولى أن هؤلاء ليس لهم موطن مطلقاً، وأن شخصيتهم القانونية لا تحتاج إلى مثل هذا الموطن، وأنه لا يمكن مداعاتهم والقيام بتبليغهم البيانات، قد يبدو ذلك، لكن الأمر على عكس ما يتوهم بعضهم، فإن عبارة "من الجائز ألاّ يكون لهم موطن ما" لا تعني ألا يكون لهم موطن أبداً، بل تعني ألا يكون للشخص منهم موطن أصلي، ويعدّ موطنه حيث يوجد أو يحل أو ينتقل في حلّه وترحاله، ويمكن تبليغه حيثما وجد. ويلاحظ أنه لا يكفي أن يكون للشخص مكان ما حتى يعدّ موطناً له، بل يجب أن تتوافر لديه نية الإقامة، فالشخص الذي يذهب إلى أماكن الاصطياف لفترة معينة، لا يعدّ أنه قد اتخذ المصيف موطناً له، ما دامت إقامته إقامة مؤقتة. على أنه إذا توافرت لدى الشخص نية الاستيطان في مكان معين، لا يعني أن هذه النية تلزمه أن يقيم فيه بصورة دائمة لا يغادره، فالمرء قد يتغيب عن محل إقامته فترة من الزمن، أو بين فترة وأخرى، ومع ذلك يظل هذا المحل موطناً له. بل إن المرء قد يتخذ لنفسه مواطن متعددة، فيعدّ كل من هذه الأماكن التي يقيم فيها موطناً على الرغم من أنه لا يستمر في الإقامة فيه إلا فترات متقطعة.

ثالثاً ـ تغيير الموطن:
إذا لم تعدّ عند الشخص رغبة في الإقامة في مكان معين ، يسهل عليه تغييره، ويكون ذلك بترك الشخص محل إقامته، والانتقال إلى مكان جديد، لذلك يشترط رجال القانون من أجل تغيير الموطن شرطين هامين:
أولهما أن يقيم الشخص في محل الإقامة الجديد فعلاً، وثانيهما أن تتوافر لدى الشخص نية الإقامة في الموطن الجديد. وبتوافر هذين الشرطين مجتمعين تبقى صفة الموطن ملازمة لذلك المكان، فإذا فقد أحدهما، تزول عن المكان هذه الصفة. وهنا لا بد من الإشارة إلى نقطة مهمة هي: إذا أراد الشخص تبديل موطنه أو محل سكناه، لا بد من أجل ذلك من تبديل السجل المدني بالطرق الواردة في القانون الخاص بالسجل المدني. ومهما يكن من أمر فإن إرادة الشخص تؤدي دوراً مهماً في تحديد الموطن. فإذا انتقل الشخص من محل إقامته إلى محل جديد، من دون أن يترك إقامته في الموطن السابق، أو من دون أن يبدي إرادته بالاستغناء عن موطنه القديم، فلا يعدّ في هذه الحالة قد غيّر موطنه القديم بل يكون قد اتخذ لنفسه موطناً جديداً إضافة إلى موطنه القديم.
إلا أن هذه الإرادة تقيد بحقوق الغير عندما تتعلق هذه الحقوق بالموطن، فلا يجوز للشخص أن يبدل موطنه إذا كان ذلك يؤثر في حقوق الغير، كما لا يجوز تعديل الموطن في أثناء النظر في الدعوى إذا كان ذلك يضر بالخصم ما لم يكن قد بلّغ بذلك.

رابعاً ـ أنواع الموطن:
للشخص الحرية الكاملة في اختيار الموطن الذي يريده، كما له الحرية في أن يغير موطنه إلى موطن آخر، أو أن يتخذ لنفسه عدة مواطن، إلا أن هناك مواطن خاصة فرضها القانون أو أجازها اتفاقاً، وهي على ثلاثة أنواع:
1ـ الموطن القانوني: ويسميه بعضهم بالموطن الإلزامي، ذلك لأن القانون يحدد لبعض الأشخاص مواطن يلزمهم بها، فلا يستطيع الأشخاص الذين فرضت عليهم أن يغيروها ولا أن يبدلوها، بل تظل مفروضة عليهم ما دامت الظروف التي أنشأت هذه المواطن قائمة. ولعل من الواضح أن تحديد هذه المواطن أمر استثنائي لا يتم إلا بنص قانوني.
بيد أن الشرائع المختلفة تفرض المواطن القانونية على أشخاص استناداً إلى أوضاع متعددة، لارتباط هؤلاء بمكان معين كارتباط الموظف بمكان وظيفته، أو ارتباطهم بأشخاص يتولون أمورهم، كارتباط ناقص الأهلية بمتولي رقابته.
أ ـ الموطن القانوني لفاقدي الأهلية ومن في حكمهم: موطن فاقد الأهلية وناقصها، بسبب السن أو بسبب الحالة العقلية أو بسبب عارض أصابه، هو موطن من ينوب عنهما قانوناً؛ فالقاصر والمحجور عليه والمجنون والسفيه وذو الغفلة والمفقودون والغائبون ممن تمنعهم ظروفهم من مباشرة شؤونهم وتصرفاتهم القانونية موطن أي منهم هو موطن الولي أو الوصي أو القيّم أو الوكيل القضائي. أي من ينوب عنهم قانوناً وهو ما قضت به المادة (44) مدني سوري (42 مدني مصري، 41 مدني أردني، 13 مدني كويتي، 38 مدني جزائري، 43/1 مدني قطري، 83 مدني أماراتي، 43/1 مدني عراقي). وكذلك المفقود والغائب، موطن كل منهما هو موطن من ينوب عنهما قانوناً، ذلك لارتباط هؤلاء الأشخاص بالذين ينوبون عنهم ويتولون رعاية أمورهم. على أن الفقرة الثانية من المادة 44 مدني سوري خصّت ناقص الأهلية الذي بلغ الثالثة عشرة من عمره، أو المفلس الذي يتعاطى الأعمال التي أجاز له القانون القيام بها، قضت هذه الفقرة بأنه يمكن لهؤلاء أن يكون لهم موطن خاص إلى جانب موطن من ينوب عنهم من وليّ إلى وصيّ إلى وكيل التفليسة.
ب ـ موطن كامليّ الأهلية الذين يعملون عند الغير: الفقرة الثالثة من المادة (43) من القانون المدني السوري خصّت كامليّ الأهلية الذين يعملون لدى الغير بنص خاص، فقضت بأن موطن هؤلاء الأشخاص هو موطن من يعملون لديهم أو يستخدمونهم، وهذا المبدأ مبني على ارتباط هؤلاء الأشخاص بمن يستخدمهم، كالخادم والعامل الذي يقطن في مكان عمله، أو دار مخدومه، فيعد قانوناً مقيماً هناك، أما إذا كان المستخدم والعامل لا يقيم مع الشخص الذي يعمل لديه، لا يكون له موطن قانوني عند مستخدمه، بل يكون موطنه هو محل إقامته المعتادة. وقد انتقد بعضهم وجود الفقرة الثالثة من المادة (43) مدني سوري بقولهم أن لا فائدة من وجودها، ذلك لأن الشخص الذي يعمل لدى شخص آخر ويقيم معه في مسكن واحد، فيكون موطنه هو موطن رب العمل الذي يعمل لديه، وكان موطنه العادي هو المكان ذاته الذي يقيم فيه مع مستخدمه. "ولا يغنى هذا الموطن عن موطنه القانوني". والجدير ذكره، أن قانون الأحوال المدنية السوري لعام 2007 لم يأخذ باعتبار موطن الزوجة هو موطن زوجها باعتباره موطناً إلزامياً وإنما هو محل إقامتها فعلاً. أي ليس في هذا القانون نص خاص بها، فلم ينص على تبعيتها له، كما كان في قانون 1957 وليس ما يمنع أن يكون للزوجة موطن يختلف عن موطن زوجها إذا كان محل إقامتها في غير مكان إقامة زوجها.
ج ـ الموطن القانوني للموظفين العامين: الموظف العام هو موظف الدولة، ولا يدخل في هذا المفهوم موظفو الشركات والمؤسسات الخاصة. وقد نصت الفقرة الثانية من المادة (43) مدني سوري على أن موطن الموظفين العامين هو المكان الذي يمارسون فيه وظائفهم. وبنى المشرع هذا النص على ارتباط الموظف العام بالمكان الذي يعمل فيه، أي المكان الذي يمارس فيه وظيفته حتى لو لم يكن مقيماً فيه، أما موظفو المؤسسات والشركات الخاصة فليس لهم موطن قانوني، إنما لهم موطن عادي يحدد تبعاً لمكان إقامتهم.
وقد استغنى القانون المدني المصري عن هذا النص، وكان بالإمكان الاستغناء عنه في القانون المدني السوري، ذلك لأن الموظفين العامين غالباً ما يقطنون في الأماكن ذاتها التي يمارسون فيها وظائفهم. "فتغني بذلك مواطنهم العادية عن مواطنهم القانونية".
2ـ موطن الأعمال: لمن يمارس التجارة أو الحرفة موطنان، موطنه العادي أي محل إقامته المعتادة، وموطن يباشر فيه تجارته أو حرفته، فقد جاء في الفقرة الأولى من المادة (43/1) مدني سوري: (40 مدني أردني، 37 مدني جزائري، 12 مدني كويتي، 42 مدني قطري، 82 مدني إماراتي، 44 مدني عراقي) أن المعاملات القضائية المتعلقة بالتجارة أو الحرفة تتركز في الموطن الذي يباشر فيه التاجر تجارته، وصاحب الحرفة حرفته، أما أعماله الأخرى فيبقى موطنه هو موطن إقامته المعتادة. والجدير بالذكر، أن موطن الأعمال لا يثبت إلا بنص خاص في القانون بسبب ارتباط الشخص بمكان معين هو المكان الذي يمارس فيه تجارته أو حرفته، وهو كما يقولون، يشبه الموطن القانوني من هذه الناحية، ولكنه "يختلف عنه بأنه ليس موطناً عاماً بالنسبة لجميع شؤون الشخص وأموره"، بل هو موطن خاص يقتصر على نوع معين من الأعمال، ولا يكون له أثر في غيرها.
3ـ الموطن المختار:
آـ مفهومه وتعريفه: يقصد بالموطن المختار، الموطن الخاص غير مكان الإقامة المعتادة الذي تنصرف الإرادة إلى اختياره لتنفيذ عمل معين أو تصرف قانوني، بحيث يكون خاصاً بهذا العمل أو ذاك التصرف وحده، ويصح أن يكون الموطن المختار في مكان معين أو لدى شخص معين في غير موطنه الأصلي، فالموطن المختار لا يشكل في حقيقة الأمر موطناً حقيقياً، بل هو تعيين اتفاقي لمكان أو لشخص ليكون موطناً مختاراً لعمل ما، فصاحبه يختاره بملء إرادته، ولا يتدخل القانون في تعيينه، وتجري المعاملات كأن صاحب الموطن المختار موجود فيه، وكأنما جرت المعاملات في الموطن الأصلي (المادة: 45/1 مدني سوري، 42/1 مدني أردني، 43مدني مصري، 39/1مدني جزائري، 14/1مدني كويتي، 44 مدني قطري، 84 مدني إماراتي، 45/1 مدني عراقي). ويختلف الموطن المختار عن موطن الأعمال، ذلك لأن صاحب الموطن المختار هو الذي يعينه بمحض إرادته ومشيئته، بل لا يتدخل القانون في تعيينه وفرضه إلا استثناءً، على عكس موطن الأعمال الذي يثبت بنص قانوني، وهو في هذه الحالة يشبه الموطن القانوني.
ويغلب اختيار الموطن المختار، عندما يكون المتعاقدان من منطقتين أو مدينتين مختلفتين، يطلب الدائن من المدين اختيار موطن يختاره المدين في مكان ما أو عند وكيله أو لدى شخص معين، حتى يتحاشى الدائن اللحاق بالمدين من مكان إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى، فباختيار الموطن يتجنب المتعاقدان المصاعب التي تنشأ عن صعوبة التبليغ وإجراء الخصومات وإقامة الدعاوى والمراجعات القضائية، فكما نرى، فإن للموطن المختار فائدة عظيمة في تسهيل الإجراءات والمعاملات القانونية، ولا يصح اختيار الموطن بوجه عام ولجميع الأعمال؛ لأن ذلك لا يعتبر موطناً مختاراً، بل يعتبر موطناً أصلياً.
ب ـ آثار اختيار الموطن: تقضي الفقرة الثالثة من المادة (45) مدني سوري بأن اختيار الموطن المختار يكون بتنفيذ عمل قانوني يكون هو الموطن في كل ما يتعلق بهذا العمل، بما في ذلك إجراءات التنفيذ الجبري، إلا إذا اشترط صراحة قصر هذا الموطن على أعمال دون أخرى. من النص السابق نجد أن لاختيار الموطن أثرين مهمين: 
أولهما: "إن المحكمة التي يقع في دائرتها الموطن المختار تكون مخصصة للنظر في الدعاوى المتعلقة بالعمل الذي اختير من أجله هذا الموطن، وهذا يعني أن الدعاوى التي تتعلق بعمل معين ترفع أمام المحاكم التي تقع في دائرة الموطن المختار لهذا العمل، كما يمكن أن ترفع أمام محكمة المدعى عليه باعتبار أنها هي المختصة أصلاً للنظر فيها، ما لم يتبين أن تعيين الموطن المختار كان المقصود منه حصر رفع الدعاوى فيه دون غيره". فللدائن أن يرفع دعواه على مدينه في الموطن المختار أو يرفعها في موطن المدعى عليه الأصلي.
وثانيهما: أن التبليغات قد تتم في الموطن المختار، وقد لا تتم فيه، فعندئذٍ يجب إجراء التبليغات إلى الموطن الأصلي لمن توجه إليه، فإذا عين المتعاقدان مكاناً معيناً أو شخصاً ما موطناً مختاراً، فإن من الممكن توجيه التبليغات إلى الموطن المختار كما يمكن إقامة الدعوى فيه، أما لو اكتفى المتعاقدان بتعيين موطن مختار من دون أن يقوما بتحديده بدقة، فإن هذا التعيين يفيد في أن محاكم الموطن الذي حدداه تكون مختصة في الدعاوى التي يقيمها الدائن، أما التبليغات والإنذارات والمذكرات فلا يمكن إجراؤها في المكان المختار لأنه لم يحدد تحديداً دقيقاً ولم يعين فيه إلى من توجه هذه المذكرات وغيرها. لذلك وجب توجيهها إلى موطن المدعى عليه الأصلي.
زد على ذلك أن للمدين تعيين موطنه الأصلي موطناً مختاراً، فالدائن في هذه الحالة لا يقوم بملاحقة مدينه لو غير موطنه الأصلي إلى موطن جديد، بل يستطيع ملاحقته في موطنه السابق باعتباره موطناً مختاراً. ثم إن الموطن المختار الذي اتفق عليه المتعاقدان لا يمكن العدول عنه إلا باتفاقهما.
ويبقى الموطن المختار ملزماً لصاحبه ما بقي الاتفاق بينهما حتى ينفذ العمل وينقضي، وينتقل إلى الورثة ويظل سارياً عليهم كما كان سارياً على مورثهم حتى ينتهي العمل الذي اختير الموطن من أجله، وهذه الخصيصة تميز الموطن المختار من الموطن الحقيقي الذي لا ينتقل إلى الورثة.
ج ـ إثبات الموطن المختار: قضت الفقرة الثانية من المادة (45) مدني سوري بأنه لا يجوز إثبات وجود الموطن المختار إلا بالكتابة. وعلى هذا الأساس، لا يجوز إثبات الموطن المختار بالشهادة، ولا يمكن استنتاجه كما لا يمكن افتراضه، بل لا بد من وثيقة خطية تثبت اختياره. كما لا يمكن نفي اختيار الموطن المختار بالشهادة أو بالاستنتاج من الوقائع، بل لا بد من وثيقة خطية تنفيه؛ لأن ما ثبت بالكتابة لا يمكن دحضه إلا بالكتابة.

مراجع للاستزادة:
ـ توفيق حسن فرج، الأصول العامة للقانون (الدار المصرية للطباعة والنشر، بيروت 1973).
ـ حسن كيرة، المدخل إلى القانون، القسم الثاني، النظرية العامة للحق (مكتبة مكاوي، بيروت).
ـ عدنان القوتلي، الوجيز في الحقوق المدنية، الجزء الأول، القسم الثاني، ط6 (مطبعة جامعة دمشق، 1969)،
ـ محمود جلال حمزة، التبسيط في شرح القانون المدني الأردني، ج1، المدخل إلى القانون (دار الحامد للنشر والتوزيع، عمّان 1002).
ـ مصطفى الزرقا، الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي (مطبعة الحياة، دمشق 1964).
ـ هشام القاسم، المدخل إلى علم القانون (المطبعة الجديدة، 1975).













التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

احصاءات المدونة

جميع الحقوق محفوظة

علوم قانونية وادارية

2016