علوم قانونية وادارية علوم قانونية وادارية

اخر المواضيع

جاري التحميل ...

الاعتقال الاحتياطي

مقدمة
إن إيجاد بدائل حقيقية للاعتقال الاحتياطي أصبح من أهم التحديات التي تراهن عليها التشريعات الجنائية، فالبدائل أضحت اليوم آليات فعالة ترتكز عليها السياسات الجنائية المعاصرة، في إطار مكافحتها للجريمة ومعاملة المتهمين وبالتالي فقد أصبح اعتمادها اليوم خيارا دوليا لا وطنيا وإقليميا فحسب كما أن اللجوء إلى البدائل في المجال الجنائي أصبح من أكثر المفاهيم المتداولة بين مختلف الباحثين والحقوقيين المهتمين بالظاهرة الاجرامية وسبل مكافحتها، فقد أصبح الهدف هو البحث عن منظور جديد للعقوبات التقليدية التي أصبحت غير مجدية لإصلاح المنحرف وإعادة تربيته، وذلك عبر بلورة سياسة جنائية، تتجاوز هدف معالجة الاكتظاظ الذي تشكو منه السجون المغربية إلى ترجمة إرادة حقيقية في البحث عن سياسة جنائية أكثر ملائمة للعصر وللأفكار والتوجهات السائدة حاليا في مجال الاختبارات الجديدة لمواجهة الإجرام المتوسط الخطورة.
فالسياسة الجنائية التقليدية التي تقوم أساسا على الطابع الزجري وترتكز على السجن كوسيلة أساسية للرد على تحديات الإجرام والانحراف، أصبحت متجاوزة وعاجزة عن مسايرة التطور الذي تعرفه الجريمة، وبذلك أضحى من اللازم خلق أفكار جديدة، ومنظور جديد يتلاءم مع التطورات التي يعرفها عالم الجريمة. فقد أصبح الهدف هو فهم الجريمة بحقيقتها وبمختلف مكوناتها الظاهرة والخفية، إذ ليس من الأهمية إنزال العقاب بل الأهم من كل ذلك بالنسبة لعلماء الإجرام هو إعادة تربية المخالفين وإدماجهم من جديد في المجتمع وتأهيلهم لممارسة أنماط العيش المألوفة، وهو ما يستلزم بالطبع إقصاء الجزاءات التقليدية كلا أو بعضا وعلى الخصوص العقوبات السالبة للحرية.
وبذلك تم توجيه البحث نحو إيجاد بدائل حقيقية للسجن خاصة في المرحلة التي تسبق المحاكمة، ونخص بالذكر هنا الاعتقال الاحتياطي الذي يعتبر من أهم وأخطر الإجراءات الجنائية التي تهدد حرية وكرامة المتهم في أقوى لحظات المرحلة الاعدادية للقضايا الجنائية، بل إنه حسب البعض[1] أخطر ما في المسطرة الجنائية على الإطلاق، وهذه الخطورة لا تكمن فقط في اعتباره أشد الإجراءات الماسة بالحرية وأكثرها تعارضا مع قرينة البراءة وحقوق الدفاع لما يشكله من حكم مؤقت بالإدانة وعقوبة سابقة، بل تكمن في اعتباره إجراء يعكس فلسفة النظام العقابي الكلاسيكي التي تجعل من السجن الوسيلة الأساسية للعدالة الجنائية وللرد على تحديات الإجرام والانحراف.[2] ولكن ما فتئ نمو الجريمة وانتشارها أن يظهر فشل هذه الفلسفة، حيث أصبح من اللازم إعادة هندسة السياسة الجنائية باستحضار ثوابت دولة الحق والقانون والمبادئ الأساسية التي تقوم عليها المواثيق والعهود الدولية وذلك بهدف إعطاء منظور جديد للعدالة الجنائية، عدالة قوامها احترام الحريات الفردية، وكرامة الإنسان قبل كل شيء.
وبذلك تم توجيه البحث نحو إيجاد بدائل حقيقية للإعتقال الاحتياطي، تكفل معالجة الظاهرة الإجرامية بطرق احتوائية ومهذبة وذلك من خلال ضمان احترام حرية المتهم، من جهة وضمان حضوره إجراءات البحث والتحقيق في الجريمة من جهة ثانية، ومن التدابير الكفيلة التي تكفل هذا الهدف والتي عرفت تطبيقات   واسعة في العديد من الدول نجد تدبير الوضع تحت المراقبة القضائية. ويعتبر هذا الأخير أحد مستجدات قانون المسطرة الجنائية المغربي الجديد بحيث إنه لم يكن معروفا من قبل على مستوى النص التشريعي ولا على مستوى الممارسة القضائية. فتدبير الوضع تحت المراقبة القضائية من الاختصاصات الجديدة الممنوحة لقاضي التحقيق والخاضعة لسلطته التقديرية وذلك لتحقيق ما يلي:
أولا: الحد من حالات الإعتقال التي أفرزتها التجرية السابقة وأدت إلى تكدس المعتقلين بالسجون وإرهاق كاهل الدولة ماديا من خلال ما يتطلبه المعتقلون من إيواء وتمريض لا سيما وأن عدد المعتقلين في ارتفاع مستمر بحيث وصل عددهم في متم شهر غشت من سنة 2004 إلى 56639 معتقلا، 27999 منهم تحت الإعتقال الاحتياطي، أي بنسبة %49.43، هذا بالإضافة إلى المشاكل التي تنجم عن ارتفاع العدد وضيق المساحة المخصصة للمعتقلين وخاصة منها المرضية، إذ أن 550 سجين يعانون من أمراض نفسية و823 سجين يعانون
من أمراض مزمنة وحوالي عشرة مرضى مصابون بالأمراض الجنسية.
ثانيا: ضمان حضور المتهم ما لم تتطلب ضرورة التحقيق أو الحفاظ على أمن الأشخاص أو على النظام العام اعتقاله احتياطيا (المادة 160 من قانون المسطرة الجنائية الفقرة).
وقد نظم المشرع المغربي تدبير الوضع تحت المراقبة القضائية بفصول خاصة من المادة 159 إلى المادة 174 من ق.م.ج وذلك في الباب التاسع من القسم الثالث. وباستقراء هذه الفصول نلاحظ أن المشرع المغربي شأنه شأن جل التشريعات المقارنة لم يعرف ما المقصود بالمراقبة القضائية وإنما اكتفى بالإشارة إلى طابعه الاستثنائي في المادة 159 من ق.م.ج وبإقراره كتدبير يجوز لقاضي التحقيق اتخاذه في أي مرحلة من مراحل التحقيق الإعدادي في المادة 160 من ق.م.ج.
ولكن بالرجوع إلى كتب الفقه نجد عدة محاولات فقهية لتعريف هذا التدبير، وهكذا نجد من الفقهاء[3]من يعرف هذا النظام بأنه " تدبير استثنائي طبقا لمقتضيات المادة 159 من ق.م.ج يتمثل في نوع من إجبار المتهم على الإقامة داخل حدود ترابية يتولى قاضي التحقيق بنفسه  أمر تحديدها للمتهم، وتحديد محل إقامته داخل هذه الدوائر الترابية مع منع المتهم من التردد على بعض الأمكنة أو الإلتقاء ببضع الأشخاص، ويتم التحقق من قيام المتهم من تنفيذ هذه الإلتزامات بضرورة تردده وذلك بصفة دورية أمام مصالح الأمن والسلطات التي تم تعيينها من طرف قاضي التحقيق".
فتدبير الوضع تحت المراقبة القضائية حسب هذا التعريف هو في نهاية الأمر إما إقامة إجبارية أو إجبار على الإقامة.
ولكن بتأمل لتدابير المراقبة القضائية الثمانية عشر المنصوص عليها في م 161من ق.م.ج نجد أنها لا تتعلق كلها بتحديد إقامة المتهم، بل نصت أيضا على التدابير المالية كإيداع كفالة مالية أو تقديم ضمانة عينية أو شخصية كذلك هناك المتعلقة بالمنع من ممارسة بعض
الحقوق كإصدار شيكات والمنع من السياقة وغيرها من التدابير الأخرى.
انطلاقا من ذلك يتبين أن هذا التعريف أغفل العديد من التدابير المهمة المتعلقة بالمراقبة القضائية وبالتالي فهو تعريف ناقص لا يتناسب مع نظام الوضع تحت المراقبة القضائية.
كما تم تعريف الوضع تحت المراقبة القضائية: بأنه تدبير يحق بمقتضاه لقاضي التحقيق أن يخضع المتهم إلى التقيد بجملة من الإلتزامات التي تؤمن بقاءه رهن إشارة العدالة وتحول دون فراره أو قيامه بإتلاف الأدلة، كما تجنبه مساوئ الإعتقال الاحتياطي.
ومن تم فإن الوضع تحت المراقبة القضائية يعتبر تدبيرا وسطا بين الحرية والإعتقال الاحتياطي يجعل المتهم تحت نوع من المراقبة[4]
  واعتبارا للجوانب الإيجابية والأبعاد الإنسانية التي يتميز بها هذا التدبير البديل للإعتقال الاحتياطي يمكن إعطاءه التعريف الآتي:
"الوضع تحت المراقبة القضائية هو إجراء بديل للإعتقال الإحتياطي وتدبير استثنائي وضعه المشرع بين يدي قاضي التحقيق يتم بمقتضاه وضع المتهم تحت نوع من الحرية المراقبة عبر إخضاعه لمجموعة من التدابير والإلتزامات التي يتم التأكد من تنفيذه لها، من خلال إسناد مهمة الإشراف على تطبيقها لجهات قضائية وأخرى غير قضائية، وذلك بهدف ضمان بقاءه رهن إشارة العدالة، وفي نفس الوقت تجنبه خطر الزج به في السجن كمعتقل احتياطي."
إن تدبير الوضع تحت المراقبة القضائية بعبارة أخرى هو تدبير يتم بمقتضاه تقديم يد العون والمساعدة للمتهم للتخلص من الأسباب والدوافع التي تؤدي به إلى ارتكاب الجريمة، وكذا تهيئته لتنفيذ العقوبة المحتملة في حقه وتحمل نتائج أفعاله[5]، وبالتالي ضمان إعادة إصلاحه وتربيته وإدماجه من جديد داخل المجتمع.
فهو نظام ينطوي على مزايا عديدة لأنه يهدف من ناحية تفادي الآثار السلبية للإعتقال
الاحتياطي سواء المتعلقة بالشرعية الجنائية وقرينة البراءة، أو تلك التي تنطوي على أضرار نفسية واجتماعية واقتصادية للمتهم المحبوس، كما سيحد من توجه القضاة إلى اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي في حالات كثيرة بحيث سيجدون مخرجا للوضع الذي كان يسببه لهم الخيار بين ترك المتهم حرا طليقا أو اعتقاله، بما قد يحمله هذين الإجراءين من خطورة بالنسبة للأمن والإضرار بمصالح المتهم الذي هو في نظر القانون بريء. ومن ناحية ثانية فإن نظام المراقبة القضائية يكفل تحقيق الامتيازات التي يقتضيها الإدعاء وضرورات التحقيق مع المتهم، وضمان عدم إفلاته من العقاب في حال قيام المسؤولية الجنائية.
والمشرع المغربي بتبنيه لهذا النظام ضمن فصول المسطرة الجنائية، خطى خطوة هامة في عملية تطوير مفاهم العدالة نحو التفاعل مع قرينة البراءة اللصيقة بالإنسان، وبالتأكيد على الثقة في المفهوم الإنساني للدولة.
فقد ثم استحداثه في المنظومة الجنائية المغربية لأول مرة بموجب القانون رقم 01-22 الصادر بتاريخ 3 أكتوبر 2002، وقد أخذه المشرع المغربي من نظيره الفرنسي الذي كان هو السباق لهذا الإجراء بمقتضى القانون رقم: 176-84 الصادر بتاريخ 09 يوليوز1984 والمعدل بمقتضى القانون رقم 1013-93 الصادر بتاريخ 24 غشت 1993 حيث جاء في المادة 137 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسي: "الشخص الخاضع للبحث (التحقيق) يظل حرا ما عدا بسبب ضرورة التحقيق أو بسبب الأمن يتعين إخضاعه للمراقبة القضائية...".
إن النص على المراقبة القضائية كبديل للاعتقال الاحتياطي ضمن فصول المسطرة الجنائية، يشكل ترجمة للتوجه الجديد للسياسة الجنائية المتبعة في بلادنا من جهة، ومن جهة أخرى فهو تعبير عن إرادة المشرع في بلورة استراتيجية شمولية ترتكز على فلسفة البحث
عن بدائل للإجراءات الماسة بالحريات الفردية، وهذه الأخيرة لا تهدف النظام العقابي فقط
بل تهدف إلى إصلاح العدالة الجنائية برمتها.
وهذا النظام نظرا للمرونة التي يمتاز بها من شأنه أن يخلق نوعا من التوازن بين حرية المتهم من جهة، وضمان حضوره إجراءات التحقيق في إطار المحاكمة العادلة وضمان حقوق الدفاع من جهة ثانية كما سيساهم في إضفاء البعد الإنساني والمرونة في الإجراءات المسطرية  المتبعة.
كما يشكل حلا عمليا وإنسانيا للحد من اللجوء إلى  تدبير الاعتقال الاحتياطي فهو سيساهم بشكل كبيرفي التخفيف من ظاهرة الاكتظاظ التي تعاني منها السجون المغربية، والتي يعد الاعتقال الاحتياطي أحد أسبابها الشيء الذي يجعل هذا الموضوع يأتي في صلب الاهتمامات الراهنة للمشرع المغربي  ولكل المهتمين بمكافحة الظاهرة الإجرامية ببلادنا.







.

شاركنا بتعليقك...

التعليقات



، اشترك معنا ليصلك جديد الموقع اول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

احصائيات الموقع

جميع الحقوق محفوظة

علوم قانونية وادارية

2010-2019