علوم قانونية وادارية علوم قانونية وادارية

اخر المواضيع

جاري التحميل ...

مبدأ حرية الإثبات أمام القاضي الإداري

مبدأ حرية الإثبات أمام القاضي الإداري 
احسان بنداوود 
طالبة باحثة في صف الدكتوراه
جامعة محمد الخامس -الرباط-
تعنى المحاكم الإدارية بالفصل في المنازعات التي لها صبغة إدارية أو ما يصطلح عليه في فقه القانون الإداري بالمنازعات الإدارية، وهي"الوسيلة القانونية التي يكفلها المشرع للأشخاص طبيعية كانت أو معنوية لحماية حقوقهم في مواجهة الإدارة عن طريق القضاء" الذي يعتبر الضمانة الأساسية لتحقيق المشروعية و خضوع تصرفات الإدارة لأحكام القانون.
و بما أن القانون الإداري هو قانون قضائي بامتياز، ذلك أن ظروف نشأته جعلته يلعب دورا هاما ومتميزا في إبداع الكثير من قواعد ومبادئ هذا القانون، خاصة في المجالات التي لم يكن يجد فيها حلا للنزاع المعروض عليه في المصادر الأخرى أي مصادر القانون الإداري. 
و هكذا و في غياب تقنين خاص بالإثبات أمام المحاكم الإدارية، و بالنظر لانعدام التوازن بين الإدارة والإمتيازات التي تتمتع بها، فإن القضاء الإداري عمل على مراقبة أعمال الإدارة باستخدام كافة وسائل الإثبات بما يتناسب و طبيعة الدعوى الإدارية حماية لحقوق وحريات الأفراد من جهة وضمانا لإستمرارية المرافق العامة تحقيقا للمصلحة العامة من جهة أخرى ، لما يتمتع به من سلطات واسعة للبحث و الاستقراء لاستجلاء الحقيقة متخل بذلك عن الحياد المفروض للقاضي المدني و متجاوزا لمبدأ البينة على المدعي. 
و على هذا الأساس فان الإثبات أمام القضاء الإداري غير مقيد بالقوانين الواردة بقانون المسطرة المدنية الفصول من55 إلى 102 و الفصول من 399 إلى 460 من قانون الإلتزامات و العقود و ما يحتويان عليه من إجراءات استقصائية، و إنما المحكمة التي تنظر في النزاع تقضي لصالح أحد الأطراف بعد أن تمحص أدلة الإثبات المقدمة إليها و بذلك بدأ ينعرج الاثبات الإداري من صبغته الموضوعية و القائمة على مبدأ البينة على من ادعى إلى صبغته الذاتية المرتكزة على قناعة القاضي الشخصية و الخاضعة لوجدانه الخالص 
و لئن حدد المشرع المغربي بكل دقة النظام القانوني للإثبات في المادة المدنية بأن أتى على حصرها بين القواعد الموضوعية للإثبات و المنصوص عليها في قانون الالتزامات و العقود و أخرى شكلية وردت في قانون المسطرة المدنية فأتى على تبيان من تحمل عليه البينة وتحديد سلطات القاضي فإن هذا الأمر بدا مخالفا لما هو عليه في المنازعات الإدارية التي و أمام غياب منظومة متكاملة للإثبات قد أتى القاضي الإداري على اعتماد نظام قانوني مستقل به حيث يعتمد على الإثبات الحر الذي أقصى كل ما من شأنه أن يعطل كشف الحقيقة بما يتمتع به من استقلال ذاتي.
و على هذا الأساس سندرس أسس مبدأ حرية الإثبات في مبحثين اثنين، الأول سنتناول فيه مبررات الأخذ بالمبدأ أمام القاضي الإداري، أما المبحث الثاني فسنخصصه لدراسة مظاهر مبدأ حرية الإثبات.
المبحث الأول: مبررات مبدأ حرية الإثبات
تعد قواعد الإثبات في القانون الخاص مختلفة عن قواعد الإثبات في القانون الإداري ففي هذا الأخير تكون العلاقة قائمة بين الإدارة (الدولة وكل أجهزتها) والفرد أو الشركة، أو المتضرر... وهي علاقة غير متكافئة بينما العلاقة في القانون الخاص تقوم بين ندين متكافئين مما يصبح من غير المنطق والعدل إخضاع الدعاوى الإدارية لنفس قواعد الدعاوى المدنية فيما يتعلق بقواعد الإثبات.
و منه فإذا كان القاضي المدني يخضع بمناسبة بته في القضايا المعروضة عليه للنظام القانوني المقنن والمفروض عليه في النطق بأحكام القانون الخاص فإن القاضي الإداري أتى على تجاوز هذا النظام القانوني وذلك من خلال أخذه بمبدأ حرية الإثبات و سنده في ذلك مجموعة من المبررات التي تجد أساسها في حداثة نشأة القانون الإداري- المطلب الأول- و في طبيعة النزاع الإداري الذي يجمع دائما بين خصمين متفاوتين- المطلب الثاني-.
المطلب الأول: حداثة نشأة القانون الإداري
ينفرد القانون الإداري ببعض الخصوصيات التي تميزه عن فروع القانون الأخرى فهو فضلا عن كونه حديث النشأة مقارنة ببعض فروع القانون الأخرى كالقانون الجنائي أو القانون المدني أو القانون التجاري جعلت من قواعده غير مدونة في نص تشريعي واحد يكون شاملا لجميع القواعد الشكلية و الموضوعية التي تحكم تنظيم الإدارة العامة ونشاطها ومنازعاتها، فما نجده في مجال القانون الإداري هو مجموعة من النصوص التشريعية المتناثرة تضاف إليها نسبة ملحوظة من القواعد القانونية غير المكتوبة. و هذا راجع بالأساس لكونه قانون قابل للتطوير.
و هكذا، فإذا نظرنا في مراحل تطور القضاء الإداري بالمغرب نجده قد عرف تطورا مهما منذ نشأته إلى اليوم، إذ دخل المغرب مبكرا في نظام قضائي يتسم بشبه ازدواجية قضائية، الشيء الذي أدى إلى وجود نصوص قانونية متميزة عن قواعد القانون الخاص، و تتعلق على العموم بالنشاط الإداري للأشخاص العامة خاصة في فترة الحماية.
و مع إنشاء المجلس الأعلى بظهير 27 شتنبر 1957، اتسع مجال مقاضاة الإدارة بإدخال دعوى الإلغاء من أجل الشطط في استعمال السلطة ضد القرارات الإدارية الصادرة عن السلطات الإدارية.
و مع الإصلاح القضائي لسنة 1974، تم توسيع مجال قضاء التعويض، فأصبحت المحاكم الإبتدائية مختصة بالنظر في مختلف الدعاوى الإدارية كدرجة ابتدائية، على أساس أن تستأنف أحكامها أمام محاكم الإستئناف قبل أن تعرض للنقض أمام المجلس الأعلى.
و في إطار تدعيم و تعزيز دولة الحق و القانون و المؤسسات، فكان من الطبيعي تحديد ذلك موكولا للمشرع الذي أتى على سن القوانين اللازمة لذلك، فجاء قانون رقم 41.90 الذي أحدثت بموجبه محاكم إدارية كخطوة نحو تكريس قضاء إداري متميز عن القضاء العادي، ليكرس هذا التميز من خلال التنصيص على إحداث محاكمتي الإستئناف الإدارية بكل من مراكش و الرباط يعهد بهما النظر في استئناف الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية كدرجة ثانية مع قابليتها للنقض أمام محكمة النقض.
و قد كان من الطبيعي في غياب مسطرة إدارية خاصة بالتقاضي أمام المحاكم الإدارية أن ينقل المشرع القواعد المسطرية المعمول بها و خاصة تلك المتعلقة بالإثبات لدى المحاكم العادية لتطبق أمام المحاكم الإدارية، في انتظار وضع إستراتيجية دقيقة و محددة، تمهد لإعداد مسطرة خاصة بالإثبات و لما لا قانون خاص بقواعد الإثبات أمام القضاء الإداري.
و في انتظار ذلك أضحى القاضي الإداري غير مقيد بوسيلة معينة من وسائل الإثبات و إنما له حرية كبيرة في البحث و تقدير وسائل الإثبات المعروضة عليه و هي خاصية تفتيشية تميز القاضي الإداري تسمح له بتتبع الأطراف في ادعاءاتهم و التحقق منها. و بالتالي توسيع قناعته و اخضاع لرقابته وتقديره مدى جدية تلك الوسائل المقدمة من قبل الأطراف سعيا منه لإثبات الحق المتنازع فيه، لينتقل بذلك من نظام إثبات مقنن إلى نظام الإثبات حر بغاية إعادة التوازن بين أطراف النزاع التي غالبا ما تكون غير متساوية للاعتبارات مستمدة من امتيازات السلطة العامة التي تتمتع بها الإدارة. 
المطلب الثاني: طبيعة الدعوى الإدارية
تقوم نظرية الإثبات في القانون الإداري على أساس ظروف هذا القانون وطبيعة الدعوى الإدارية التي تعد من دعاوى القانون العام تكون الإدارة دائماً طرفاً فيها سواءً كمُدَّعِية أو مُدَّعَى عليها، وهذا يعني أن الإدارة وهي تمثل المصلحة العامة – أو هكذا يجب أن تكون – تجد نفسها وجهاً لوجه في مواجهة أفراد طبيعيين أو شخصيات اعتبارية وهي في واقع الأمر مسؤولة عنهم ومن ثَم وجب على المحاكم الإدارية عند نظر المنازعات أمامها وضع هذه الخاصية في الاعتبار خاصةً عند تطبيق مبدأ مساواة الخصوم أمامها. 
كما على القاضي الإداري وفق ذات المفهوم أن يعمل جاهداً على محاولة تحقيق التوازن بين المصلحة العامة والتي تمثلها الإدارة وتحقيق دواعي المصلحة الخاصة المتمثلة في حماية الحقوق والحريات العامة للأفراد وهي مسألة غير يسيرة إذا حاولنا التمسك بذات المعايير التي تحيط نظر الدعوى المدنية حيث يتساوى أطراف الدعوى أمام القضاء ويقود كل مُدَّعٍ - بالطريقة التي تتفق مع ما يدعيه وما تقتضيه حماية مصلحته الخاصة - دعواه أمام القضاء.
وهنا يأتي الدور الإيجابي للقاضي الإداري فيفصل في منازعات ناشئة عن علاقات قانونية ناشئة بين أطراف ليسوا على قدم المساواة نظرا لما تتمتع به الإدارة امتيازات القانون العام في سبيل تحقيق المصلحة العامة، ولكن تحقيق هذه الأخيرة لا يعني مطلقاً التضحية بمصالح الأشخاص المشروعة؛ فللأفراد مصالح مشروعة يتوجب حمايتها ورعايتها وصونها من الاعتداء عليها، فلا يجوز التضحية بمصالحهم المشروعة في سبيل المصلحة العامة إلا إذا كان ذلك ضرورياً، وبالقدر اللازم لذلك، لهذا يتوجب على القضاء الإداري البحث عن نقطة التوازن الدقيق بين المصلحتين العامة والخاصة ، والعمل على هديها، و هو ما ينجلي من خلال الخصوصية التي تميز الإثبات الإداري عن الإثبات المدني و الجنائي، و ذلك بسبب طبيعة العلاقات الإدارية، التي تقوم على التفاوت بين مراكز الخصوم على خلاف الإثبات في القانون المدني و الجنائي الذي يقوم على المساواة بين الخصوم .
و نتيجة لذلك و في إطار الدور الإجرائي للقاضي الإداري و مراعاة منه لاختلاف موازين القوى بين أطراف المنازعة الإدارية في مجال إثبات الدعوى الإدارية. فالإدارة باعتبارها الطرف القوي في المنازعة تحوز في الغالب الأعم جميع الأوراق والمستندات التي يمكن للشخص استخدامها لإقامة الدليل على صحة ادعاءاته ، فإنه يقوم بدور موضوعي بكفالة التوازن العادل بين طرفي الدعوى الإدارية استنادا للمذهب الحر في الإثبات الذي يتيح للقاضي الإداري سلطة تقديرية واسعة في جمع عناصر و وسائل الإثبات و اختيار ما يراه مناسبا منها غير مقيد في ذلك بطلبات الخصوم باعتباره مسؤولا عن عدالة الحكم في الدعوى، بما فيها إلزام الإدارة بعرض الوثائق و المستندات التي بحوزتها أو تزويده بتفسيرات عن بعض أعمالها. 
مما يجعل دوره في هذا أكثر مرونة و حرية و التي لا يحد منها إلا اعتبارين اثنين أولهما إلتزام القاضي الإداري بالإستجابة لطلبات الطرفين في الأمر بوسيلة الإثبات الازمة لفهم و بيان وقائع الدعوى كنتيجة لإلتزامه بالفصل في الدعوى و هو على دراية كاملة بوقائعها و ثانيهما إلتزامه بعدم الأمر بالوسائل الإستيفاء المنتجة التي تساعد على سرعة الفصل في الدعوى و استبعاد الوسائل غير المفيدة في سبيل إصداره لحكم عادل. 
المبحث الثاني: مظاهر مبدأ حرية الإثبات
إن المنازعات الإدارية كغيرها من المنازعات الأخرى لا يمكن للقاضي أن يتدخل فيها من تلقاء نفسه وإنما لا بدّ من تحريكها من أحد أطراف النزاع ويكون المدعي عادة وذلك ليفصح عن إرادته في الالتجاء إلى القضاء لحماية مركز قانوني له ضدّ اعتداء أو تعسف الإدارة ويبرز ذلك إما من خلال تجاوز الإدارة لتلك السلطة التي بعهدتها أو عدم مطابقة أو ملاءمة القرار المتخذ من قبل الإدارة للأحكام القانون ،وبالتالي يكفي أن يكون للطاعن مصلحة ما في إلغاء القرار الإداري حتى يكون طعنه مقبولا (المطلب الأول) كذلك يمكن إذا ما ثبت الضرر الذي تكون الإدارة قد ألحقته بأحد الأشخاص أو بمجموعة من الأشخاص الحصول على تعويض في شكل مبلغ مالي جبرا للضرر وذلك عن طريق دعوى التعويض (المطلب الثاني).
المطلب الأول: على مستوى دعاوى الإلغاء
نظرا لوجود تباين في الأدوار و المراكز القانونية لكل من طرفي الدعوى الإدارية، فإنه يمكن للخصوم إقناع القاضي الإداري بكافة الوسائل المقبولة في مجال الإثبات و هو في ذلك يقبل أي وسيلة للكشف عن الحقيقة و تحقيق قناعته، فالقرارات الإدارية التي تنطوي على تجاوز السلطة قد تتضمن قدرا كبيرا من الإيحاء بإتباع الأصول الواجبة و القواعد الشكلية اللازمة لإصدارها و أن هدفها هو تحقيق الصالح العام بينما يمكن إثبات نقيض ذلك سواء من نص القرار المطعون فيه عندما تتصور الإدارة أنها لم تخطئ، فتكشف عن هدفها، فإذا به غير الهدف الذي أراده القانون، أو من خلال المراسلات التي سبقت و تلت إصدار القرار المطعون فيه، وكذا من خلال المناقشات المتعلقة بالقرار، أو تبعا لظروف إصداره ، و كذا القرائن التي يقيمها على انحراف الإدارة بسلطتها و كذا بشهادة الشهود...
وبالتالي فإن كل احتجاج أمام المحكمة الإدارية بإلغاء القرار الإداري يجب أن يكون معللا أي على مدعيه إثباته وعلى المحكمة الإدارية استنتاج وجوده من أوراق ملف القضية أو من خلال عملها الاستقرائي للدعوى المرفوعة لديها وذلك باعتماد القاضي الإداري للمنهج الاستقصائي الذي يرتكز على مذهب الإثبات الحر وتتأكد هذه الحرية باعتماد وسائل غير تلك التي يعتمدها القاضي المدني لإثبات النزاع الإداري، مثلما فعل بالنسبة لعيب السبب و عيب انحراف في استعمال السلطة، إذ أنه يقبل ما يقدمه المدعي من أدلة و قرائن تؤيد دعواه، و تثير الشك حول نية الإدارة و مقصدها من اتخاذ القرار الإداري، و بناء على هذه الأدلة و البراهين يطالب القاضي الإدارة بإثبات صحة الهدف الذي سعت إلى تحقيقه، أي أن عبء الإثبات ينتقل من المدعي إلى الإدارة، فإذا لم ترد هذه الأخيرة على المحكمة أو ردت بطريقة غير مقنعة، فإن القاضي الإداري يعتبر ذلك دليلا على ثبوت سوء استعمال السلطة من جانبها. 
و في هذا الصدد فقد تواترت أحكام المحاكم الإدارية و كذا محكمة النقض على حرية القاضي الإداري في الإثبات في المجال التأديبي و أن له أن يستمد قناعته من أي دليل مقبول. مع التزامه بتطبيق مبدأ المواجهة في الإجراءات على النحو الصحيح.
و من الأحكام القضائية التي تؤكد هذا التوجه نجد قرار المحكمة الإدارية بالرباط في قضية المعروفي الشريف ضد وزير الداخلية بتاريخ:04/03/1999 حيث جاء فيه:"و حيث لم تدل الإدارة المطلوبة في الطعن بجوابها رغم إنذارها مما تعتبر معه مقرة بصحة الوقائع الواردة بالمقال طبقا للفصل:366 من قانون المسطرة المدنية..."ففي هذه الحالة يفترض القاضي قيام القرار على سبب صحيح و على قرينة افتراض مشروعيته إلى أن يثبت المدعي عدم مشروعية سببه، و آنذاك يعود للقضاء تقدير قيمة و قوة الإثبات المدلى به من طرف المدعي ليطلب إن ارتأى جدية الأدلة من الإدارة تبيان المبررات و الأسباب الدافعة لإصداره. إلهام فكاك ، رقابة الشرعية الإدارية بين القضاء الإداري و ديوان المظالم، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، كلية العلوم القانونية و الإقتصادية و الإجتماعية -طنجة-السنة الجامعية 2007-2008 الصفحة:117.، 1998 ص 700
و هو الموقف الذي أكده أحدث اتجاهات الفقه في هذا الشأن، على حرية القاضي الإداري في جمع الأدلة، فيقول الفقيه باركر و هو يتحدث عن الإجراءات الرسمية و التنظيمية المتعلقة بإصدار قرار معين:" إن مفوض الخاص بالمنازعة أو القاضي الإداري يعمل على تكريس و جمع الأدلة الشفهية و يقوم بسماع الشهود و إخضاعهم لمجموعة من الأسئلة المتباينة لإستجلاء الحقيقة، دون أن يخضع المفوض في ذلك لتوجيهات محقق الإدارة أو رأيه في القضية" 
وفي ذلك قضت إدارية وجدة( ) ضد رئيس المجلس البلدي لسيدي زيان: "حيث إن الطاعن يهدف من دعواه إلغاء أعمال المجلس البلدي المتمثلة في اعتمادها على وقائع خاطئة، ولعدم إتباع المسطرة القانونية في إثبات مخالفة البناء بدون رخصة.
وحيث إن إجراءات المعاينة والتحقيق لإثبات المخالفة المذكورة حددها القرار البلدي المؤيد بتاريخ 10/9/1993، والفصل 71 من قانون 90-12 المتعلق بالتعمير كما أسندت المسطرة الجنائية في فصلها 19 والمادة 32 من قانون المسطرة المدنية، والفصل 64 من قانون التعمير إلى الموظفين في إطار اختصاصاتهم مهمة البحث والتقصي وإثبات المخالفات.
وحيث إن الموظف البلدي وهو يثبت مخالفة البناء بدون رخصة، إنما يقوم بعمله بصفته عونا للضابطة القضائية ولحساب النيابة العامة وتحت إدارتها، وبالتالي فهو يخرج من ولاية المحكمة الإدارية طلب إلغائه".
و تكريسا للدور الإيجابي للقضاء الإداري في الدعاوى الإدارية، و تأكيدا لدوره في إقرار مبدأ المشروعية، بتنقية القرارات الإدارية من عيوبها، فقد لطف من حدة صعوبة إثبات العيوب بالتوسع في وسائل الإثبات تخفيفا عن المدعي الملقى على عاتقه عبء الإثبات ، بل يقوم القاضي في بعض الحالات التي تتطلب ذلك بتعيين خبير أو الإعتماد على تقرير الخبير الإداري، و القاضي في كلتا الحالتين لا يبرح مكانه و يتعامل مع تقارير الخبرة المنجزة بين يديه، فمن قرار الغاني قاسم نجد الحيثية التي تؤكد ذلك:"...حيث يستفاد من أوراق الملف و من التحقيق الذي أجرته الإدارة بواسطة لجنة خاصة للوقوف على عين المكان و التعرف على الأشخاص الذين يتحملون مسؤولية اختلاس الأموال العمومية.."القرار عدد:72 الصادر بتاريخ:19 ماي 1967، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد:16 السنة الثانية أبريل 1970 الصفحة:234
و مبدأ حرية القاضي الإداري في الأخذ بوسائل الإثبات تبناها القضاء المصري من خلال قرار محكمة النقض طعن رقم 5718 لسنة 64 ق جلسة 23/1/2005 و الذي جاء فيه:"
" وغنى عن البيان أن واقعة البناء من الوقائع التى يجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات القانونية بما فيها البنية والقرائن ومن ثم يجوز إثباتها بغير ترخيص البناء . والقول بأن تلك القواعد الموضوعيـة والإجرائية يقتصر سريانها على الأماكن المرخص فى إقامتها دون غيرها لا يتفق مع المنطق و يؤدى إلى مفارقات خطيرة ... " .
كما استقر عمل القضاء الإداري على الأخذ بالمحرر الرسمي و العرفي في الإثبات و في هذا ورد قرار محكمة النقض المصرية( طعن رقم 5718 لسنة 64 ق جلسة 23/1/2005 )
:" الورقة العرفية حجة بما دون فيها على من نسب إليه توقيعه عليها ما لم ينكر صدورها منه . اكتسابها ذات الحجية قبل مــن يسرى فى حقهم التصرف القانونى الذى تثبته أو تتأثر به حقوقـه ." 
المطلب الثاني: على مستوى دعاوى القضاء الشامل
إن القضاء الشامل هو قضاء حقوقي يتعين فيه على القاضي أن يوازن بين طرفين متنازعين في حقوقهما إذ يستوجب نظره في الواقع وفي القانون أي النظر في مدى إخلال الإدارة لأحد التزاماتها التعاقدية أو أضرارها التي ألحقتها بالمدعي بسبب أشغالها العمومية التي أذنت بها أو بمناسبة أعمالها الإدارية غير الشرعية، ثم يكون العمل القضائي هو البحث في النصوص القانونية الواجبة التطبيق على موضوع النزاع بحسب الأحوال وطبيعة النزاع، فالوقائع لها تأثير خاص وحاسم على تطبيق القانون والقاضي يكتشفها بمقتضى منهجيته التي تعتمد شتّى وسائل الإثبات المادية والغير المادية وذلك لإثبات الوقائع التي هي عبارة عن الأحداث التي تشكل ملابسات القضية التي انبنى عليها خطأ الإدارة ليستند عليها القاضي الإداري لتحقيق حكم شامل من حيث الوقائع ومن حيث القانون. ومنه فان على المدعي في إطار القضاء الشامل إقامة الدليل على الوقائع أما ما صعب منها فهو غير ملزم بها ويبقى للقاضي الإداري مهمة النظر في ذلك.
و نظرا وان القضاء الشامل هو أولا وبالذات قضاء حقوقي مزدوج الطبيعة يعتمد على جانب إقصائي كنتيجة لتفاوت طرفي النزاع من جهة وهو اتهامي لطبيعته الحقوقية من جهة أخرى وبالتالي يتعين على القضاء أن يوازن بين طرفيه المتفاوتين. ومن ذلك فان الإدارة تعتبر تلقائيا كطرف أعلى من الفرد. وفكرة علوية الإدارة على أفراد المجتمع تشكل جوهر الفلسفة التي يقوم عليها القانون الإداري الذي بني عليها ضرورة توفير قانون خاص بالإدارة حتى لا يقع إخضاعها لذات القانون الذي يحكم علاقات الأفراد وسائر أشخاص القانون الخاص فيما بينهم.
لذلك فان حرية الأطراف في اللجوء إلى حرية الإثبات في القضاء الإداري هي حرية كاملة نظرا لغياب عنصر تقنين تلك الوسائل من جهة وغياب تقيد القاضي الإداري بحدود من جهة أخرى وبالتالي فالمدعي له كامل الحرية في أن يثبت في إطار دعوى القضاء الشامل و بجميع الوسائل.
وهكذا نجد القضاء الإداري في مجال المنازعات التي تثور بمناسبة الانتخابات قد طبق القاعدة القائلة " البينة على المدعي " إلى ابعد الحدود و حفاظا على نزاهة مسلسل الانتخابات. أخذ بالشهادة اللفيفية فقضى مجلس الأعلى سابقا –محكمة النقض حاليا - ب:" أن الإقامة المقصودة في مدونة الانتخابات تتحقق بالسكنى فعليا لوقت معين حددته تلك المدونة في ثلاثة أشهر على الأقل دون تحديد وسيلة إثبات ذلك، مما يدل على أن المشرع ترك المسألة للاجتهاد القضائي وبالرجوع إلى مدونة الانتخابات في القسم الخاص بتنظيم الانتخابات الجماعية يتبين أن المدونة عددت وسائل إثبات الانتماء إلى الجماعة المحلية المراد الترشيح فيها وذكرت من ضمنها الشهادة اللفيفية كما جاء في المادة 201 من المدونة ومن المعلوم أن أحد وجوده الانتماء للجماعة مسألة التسجيل بلائحتها الانتخابية ولا شيء بالتالي يمنع من قبول الشهادة اللفيفية لإثبات الإقامة بالجماعة المراد التسجيل بها."و هو التأكيد نفسه قضت به المحكمة الإدارية بمراكش بمقتضى حكمها رقم: رقم 55 في ملف عدد: 81/97 غ الصادر بتاريخ: 13/3/1997.
وفي السياق ذاته قضت الغرفة الإدارية « بأن عبء إثبات التوفر على مستوى تعليمي يعادل على الأقل مستوى نهاية الدروس الابتدائية المطلوب في المادة 28 من الميثاق الجماعية للترشيح لرئاسة المجالس الجماعية يقع على الطاعن، الذي عليه الإدلاء بوسيلة إثبات لا يتطرق إليها الشك ولا يكتنفها الغموض أو الاحتمال »( ).
غير أن الطبيعة الموضوعية للدعوى الانتخابية تحتم على قاضي الانتخابات، شأنه في ذلك شأن قاضي المنازعات الإدارية، البحث عن الحقيقة وإظهارها عندما يتعذر على المدعي إثباتها وتقديم الدليل على وجودها وذلك لاعتبارين، أولهما : أن السلطة الإدارية هي المسؤولة عن تدبير الانتخابات والممسكة بكل الوثائق والملفات المرتبطة بها، والعارفة بطبيعة الشروط والظروف التي تحكمت في إجرائها. وإذا كان الطاعن يلاقي صعوبات في الحصول على وسائل الإثبات التي تكون بحوزة الجهاز الإداري فإن بمقدور القاضي الإداري الوصول إليها بسهولة أكبر. وثانيهما: صعوبة إن لم نقل استحالة إثبات وقوع بعض التصرفات السلبية المفسدة للعملية الانتخابية من قبيل رفض رئيس مكتب التصويت تسجيل ملاحظات ممثل المرشح بمحضر التصويت، فالحجة السلبية صعبة الإثبات( ).
و في المنازعات الضريبية و كمبدأ العام فإن المكلف بالضريبة ملزم بالإثبات بالوسيلة التي حددها المشرع في حين أن الإدارة حرة في اللجوء إلى أي وسيلة، خاصة لإثبات وجود المادة الضريبية بصفة عامة، ولم يتم تقييد وسائل لإثبات بالنسبة للإدارة إلا بالنسبة لإثبات بعض المخالفات.
ويمكن إجمال وسائل الإثبات في المنازعات الضريبية في : 
التصريح بالضريبة.
الإثبات بواسطة الوثائق المحاسبية.
الحجة الكتابية.
الإقرار والاعتراف.
القرائن.
الخبرة
و تبقى الخبرة الوسيلة ذات الأهمية البالغة على مستوى إجراءات التحقيق التي يلجأ إليها القاضي الجبائي و من بينها الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بالرباط، ومما جاء فيه : " وحيث أنه بعد تفحص المحكمة لتقرير الخبرة المنجزة من طرف الخبير... تبين لها أنه جاء مستوفيا لكل الشروط الشكلية والموضوعية إذ قام بتقديم رقم المعاملات في غياب محاسبة مضبوطة بشكل دقيق معتمدا على كل المعطيات المتطلبة، كما برر تقديراته على حجج ثابتة، أما الإدارة الجبائية فم تدل بما يخالف ذلك لذا ارتأت المصادقة على هذا التقرير والحكم ببطلان الضريبة المتنازع بشأنها في ما زاد على تقرير الخبير ...". 
كما أن وسائل الإثبات في المادة الضريبية متعددة ومتنوعة كما سبق الذكر لكن تبقى الوثائق المحاسبية الوسيلة الأكثر استعمالا في الإثبات سواء من طرف الإدارة أو الملزم وهكذا اعتبر عجز المدعي في سائر مراحل التقاضي على الإستدلال بالمؤيدات المحاسبية التي تمكن من ضبط ومراقبة حساباته بشكل سليم وفقا للضوابط المقررة قانونا .....
جاز للإدارة تحديد أساس فرض الضريبة أو مراجعتها باعتبار العناصر التي تقدرها". 
و قد جاء في حكم صادر عن المحكمة الإدارية بالبيضاء " وحيث أنه بالإضافة إلى كون الملف يتضمن وثيقة صادرة عن السلطة المحلية بتاريخ 08/09/94 والتي تفيد بأن المدعي كان متوقفا عن عمله كمقاول سنة 1988 فإن ما تدعيه الإدارة من كون تحرياتها قد أفادت باشتغاله سنة 1988 يخالف وقائع النازلة. وهو ما حدا بالمحكمة إلى إجراء بحث لمعرفة هذه التحريات، إلا أن الإدارة تخلفت عن الحضور لجلسة البحث رغم توصلها، الشيء الذي يتعين معه إلغاء الأمر المطعون فيه." 
و في مجال نزع الملكية و المسؤولية الإدارية، فقد درج القضاء الإداري على الإستعانة بذوي الإختصاص لإعطاء رأيهم الفني في موضوع النزاع.
و في هذا الإطار نلاحظ أن للقاضي الإداري سلطة استقصائية من خلاف رقابته الحقيقية على أدلة الأطراف المتنازعة، فإذا قدم المضرور أدلة لإثبات إدعاءه و تولد في ضمير القاضي الإداري، فإنه يمكن أن يطلب من الإدارة دحض، أو الرد على هذه الإدعاءات، كما يستطيع القاضي الإداري لاسيما عندما تسعى الإدارة إلى التخلص من مسؤولياتها أن يفرض عليها عبء إثبات إقامة الدليل، كما يمكن للقاضي الإداري اللجوء إلى الإجراءات المكملة للتحقيق لتأكيد الإقتناع لديه، و من هذه الإجراءات، المساءلة، المعاينة، البحث و الاستقصاء، و الإستعانة بأهل الخبرة . و في ذلك يظل القاضي حرا في تقدير قوة الأدلة المقدمة من الخصوم لإثبات خطأ المرفق العام فالقاضي يضع في اعتباره قوة إدعاءات الطاعن، و جدل و حجج الإدارة.
و لما كانت جهة الإدارة هي الطرف القوي في الدعوى الإدارية، و سعيا نحو إيجاد أرضية سليمة للتوفيق بين المصلحتين العامة و الخاصة بما يحقق الصالح العام، و بالنظر للإمتيازات التي تملكها الإدارة و نظرا لصعوبة اثبات المدعي/الفرد لدعواه. 
و أمام عزوف المشرع المغربي عن الخوض بجدية في مسألة الإثبات الإداري جعله يفسح المجال للقاضي الإداري قصد إعمال اجتهاده الذي تمظهر من خلال الحرية في تقديم الدليل أمامه بما يلاءم و خصوصية القانون الإداري القائم أساسا على فكرة البحث الدائم على إيجاد حل لضمان أكبر قدر ممكن من التوازن بين حقوق المدعي و مصلحة الإدارة.
و يلاحظ في شأن حرية القاضي الإداري في الإثبات، أنه لا يجوز له استعمال اليمين الحاسمة رغم كونها من طرق الإثبات و ذلك لتعارضها مع طبيعة الدعوى الإدارية، كما يلتزم بعدم الخروج على ما يتطلبه المشرع استثناء لإثبات واقعة معينة في نطاق العمل الإداري.
و من ثم فالقاضي الإداري له حرية و سلطة واسعة في الهيمنة على إجراءات الدعوى الإدارية ووسائل الإثبات فيها و لكن في حدود عدم الخروج على متطلبات المشرع، و طبيعة الدعوى الإدارية و هو في ذلك يبتدع الحلول و يستخدم الوسائل المناسبة للإثبات نحو تحقيق العدالة المنشودة و إعلاء لمبدأ المشروعية و سيادة القانون بالدولة.


شاركنا بتعليقك...

التعليقات



، اشترك معنا ليصلك جديد الموقع اول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

احصائيات الموقع

جميع الحقوق محفوظة

علوم قانونية وادارية

2010-2019