علوم قانونية وادارية علوم قانونية وادارية

اخر المواضيع

جاري التحميل ...

احكام الوصية الواجبة



                                                                                                                           المقدمة: 
المبحث الأول: الوصية الواجبة وأحكامها                                                          
المطلب الأول: حقيقة الوصية الواجبة وتأصيلها الفقهي   
الفقرة الأولى: تعريف الوصية الواجبة وشروطها
الفقرة الثانية: التأصيل الفقهي للوصية الواجبة
المطلب الثاني: الوصية الواجبة في القانون المغربي وإشكالية تزاحمها مع الوصية الإرادية والتنزيل.
الفقرة الأولى: من يستحق الوصية الواجبة ومقدارها في القانون المغربي
الفقرة الثانية: إشكالية اجتماع الوصية الواجبة مع الوصية الإرادية
المبحث الثاني: إشكالية سريان الوصية الواجبة من حيث الزمان
المطلب الأول:الوصية الواجبة ومبدأ عدم رجعية القوانين
المطلب الثاني:موقف العمل القضائي في هذا الباب
خاتمة:







                                 مقدمة:
شكل صدور قانون " مدونة الأسرة"-  بالإضافة إلى أهمية التشريعية الكبيرة – حدثا حقوقيا بامتياز، بالنظر للأهداف العميقة التي توخى المشرع تحقيقها من خلال  سنه، والمتمثلة بالأساس في تأهيل الأسرة المغربية على ضوابط ذات بعد حداثي معاصر وإعادة تأسيس العلاقات الاجتماعية بين مختلف مكوناتها على أساس قواعد العدل والإنصاف والمساواة في الحقوق والواجبات[1]بالنجاعة التي تضمن استقرارها واستمراريتها وفق رؤية تشاركية تقوم على حفظ كرامة الزوجين وصيانة حقوق الأطفال دون تمييز على  أي أساس من الأسس.
ومن مظاهر تميز مدونة الأسرة، جودة موادها القانونية التي زاوجت بين الأصالة الشرعية الدينية المستمدة من قواعد الفقه الإسلامي بمذاهبه المختلفة، وبين الحمولة القانونية والحقوقية النوعية بمفاهيمها الكونية كما هي متعارف عليها عالميا المؤطرة بمقتضى الأعراف والاتفاقيات الدولية المصادق عليها من طرف المغرب[2].
وفي هذا الإطار تندرج مواد القسم الثامن من الكتاب السادس المنظمة لأحكام الوصية الواجبة وبالخصوص المادة 369 منه التي طالها تعديل جوهري كبير شكل بصدق ترجمة عملية للأفكار التي تضمنتها ديباجة مدونة الأسرة، وتفعيلا للالتزامات الدولية للمغرب التي تعهد من خلالها بتكييف مواده التشريعية مع مضامين الاتفاقيات الدولية وبالخصوص في النقطة المتعلقة بالقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة وحماية حقوق الطفل[3].
ودون التطرق للإختلافات الفقهية التي أثيرت حول مدى مشروعية الوصية الواجبة من عدم مشروعيتها والتي حسمها المشرع المغربي بالإنتصار للإتجاه المنادي بمشروعيتها من خلال تنصيصه عليها صراحة ضمن مقتضيات مدونة الأسرة ، فإنه بالرجوع إلى دراسة هذه الأحكام كما تناولها المشرع المغربي  تظهر جليا القيمة الحقوقية المضافة التي جاءت به مقتضيات المادة 369 من مدونة الأسرة بالمقارنة مع مقتضيات المادة266 من النص القديم  الذي كان منصوصا عليه في مدونة الأحوال الشخصية الملغاة و التي كانت تحصر الفئة المستفيدة من الوصية الواجبة في أحفاد الابن الذكر المتوفى قبل والده أو والدته ويحرم أحفاد الجد أو الجدة من ابنتهم المتوفاة في حياتهما متأثرا في ذلك بالقانون السوري، في حين أن المادة 369 بصيغتها الجديدة أصبحت تنص على أنه " من توفي وله أولاد ابن أو أولاد بنت ومات الابن أو البنت " وبالتالي رفعت ضابط التمييز على أساس الذكورة والأنوثة وجعلت حق الاستفادة من الوصية الواجبة يشمل الأحفاد من الأبناء من كلا الجنسين تطابقا مع اتجاه المشرع المصري وبالتالي رفعت حرجا حقوقيا كبيرا كان يخدش وجه التشريع الوطني بالمقارنة مع الشرعية العالمية  لحقوق الإنسان.
 والوصية الواجبة قبل أن تكون حدثا حقوقيا على النحو المشار إليه سلفا ، فهي منتوج تشريعي إسلامي خالص يجد أساسه في القرآن الكريم[4]اهتدى إليه العلماء الحاليون  بفكرهم الإجتهادي المتنور  وبالتالي  أصبح جليا أن  الفقه الإسلامي كان له  السبق التاريخي  في دراسة أحكامه قبل القوانين الوضعية المعاصرة ومنها المشرع المغربي.
والملاحظ أن المشرع المغربي رغم تناوله لأحكام الوصية الواجبة ضمن الكتاب السادس المخصص للميراث إلا أن هذه الوصية كما ذهب إلى ذلك أستاذنا عمرو لمزرع في كتابه الشعاع الفائض في علم الفرائض[5]ليست ميراثا محضا – كما قد يتبادر للأذهان- و لاوصية خالصة فهي تشبه الميراث في وجوه وتخالفه في وجوه أخرى شأنها في ذلك شأن الوصية الإرادية والتنزيل، فتشبه الميراث في كونها لا دخل لإرادة المتوفى في إحداثها ولا إرادة للموصى له في رفضها كما أنها تشبه الوصية الإرادية أو الإختيارية في كونهما معا يطلق عليهما لفظ الوصية وفي كونهما معا لا يمكن أن تتجاوزا ثلث التركة وتقدمان على الميراث وتختلف عنها من حيث مصدرهما فالوصية الإختيارية مصدرها إرادة الموصي وتتوقف في نفاذها على قبول الموصى له في حين أن الوصية الواجبة مصدرها النص القانوني المنشئ لها وغير متوقفة على إرادة الموصى له لنفاذها كما يتبين من خلال مطالعة المواد المنظمة لأحكام الوصية الواجبة نجد المشرع التزم الصمت بخصوص تاريخ سريانها من حيث الزمان وهذا المعطى بدوره أدى إلى تضارب في تفسير تاريخ بدء هذا السريان.
وهذا الاختلاف في طبيعة الوصية الواجبة والأحكام المنظمة لها وسكوت المشرع عن تحديد تاريخ بداية سريانها أدى إلى ظهور مجموعة من الإشكاليات العملية ارتبطت بتفعيل مقتضيات هذه المواد من طرف مؤسسة القضاء ومن قبله الفقه القانوني بلغت حد التضارب، والسبب في ظهور الإشكاليات المرتبطة بسريان الوصية الواجبة من حيث الزمان هو تداخل مجموعة من المعطيات والوقائع المادية المرتبطة باستحقاقها خصوصا وأن المادة 369 نفسها تمت صياغتها على مرحلتين المرحلة الأولى كانت في ظل القانون القديم وكانت تعطي الحق في الاستفادة للأحفاد من جهة الابن فقط والمرحلة الثانية تمت صياغتها في ظل القانون الجديد والتي وسعت الحق في الاستفادة للأسباط من جهة البنت أيضا، الشيء الذي جعل التساؤل يثور بخصوص ما إذا كان الجد أو الجدة قد وافتهم المنية في ظل القانون القديم تم تراخى تقسيم التركة إلى حين دخول القانون الجديد حيز التطبيق ثم طالب الأسباط من جهة الأم بنصيبهم من تركة جدهم المتوفى في ظل القانون القديم هل يقضى لهم بنصيبهم ما دام أن النص الجديد شرع لغاية وحيدة هي حماية حقوقهم رأسا إلى جانب باقي الأحفاد؟ أم لا يقضى لهم بشيء بدعوى أن وفاة الجد وقعت في ظل القانون القديم وأن الأحفاد من الابن بمجرد تحقق الوفاة كواقعة مادية أصبحوا مكتسبين لحقهم في الوصية بل أصبح لهم المركز القانوني الذي يخولهم حق الدفاع عنها وأن صدور قانون لاحق يحرمهم من هذه الحقوق المكتسبة فيه مخالفة لمبدأ عدم رجعية القانون الذي ارتقى إلى مصاف القاعدة الدستورية بمقتضى دستور سنة 2011م؟ ثم هل وفاة الجد أو الجدة فقط هي الواقعة التي يبدأ منها احتساب سريان الوصية الواجبة أم أن وقائع أخرى من قبيل تاريخ قسمة التركة أو  تاريخ إنجاز الإراثة أو تاريخ وفاة الأب أو الأم أو هما معا يمكن أن يكون لها تأثير بخصوص هذا الاستحقاق من عدمه هذا من جهة،  ومن جهة أخرى ظهرت الإشكاليات المرتبطة بالوصية الواجبة في حالة اجتماعها وتزاحمها بالوصية الإدارية فأي منهما أولى بالتقديم هل الوصية الاختيارية النابعة من صميم إرادة الموصي المكرس قانونا بمبدأ سلطان الإرادة أم أن الأولوية في الاعتبار في الإستحقاق تكون للوصية الواجبة لأن مصدرها النص القانوني الملزم وهو اللأولى في درجة الإعتبار؟ وما يقال على الوصية الاختيارية يقال على التنزيل ولا شك أن البحث في هذه الإشكاليات تقتضي بل تلزم الباحث بمقاربتها في ظل أصولها الشرعية بموازاة مع النظرة القانونية التشريعية وارتباطا في كلا الحالتين بالأهداف التي توخى المشرع الوصول إليها.
كل ذلك سوف يتم مناقشته من خلال التصميم التالي:
المبحث الأول: الوصية الواجبة وأحكامها.
المبحث الثاني: إشكالية سريان الوصية الواجبة من حيث الزمان.  
المبحث الأول: الوصية الواجبة وأحكامها
من خلال هذا المبحث سنحاول دراسة حقيقة الوصية الواجبة وتأصيلها الفقهي (المطلب الأول) على أن نتطرق لمعالجة أحكامها في القانون المغربي و بعض إشكاليات استخراجها (المطلب الثاني).
المطلب الأول: حقيقة الوصية الواجبة وتأصيلها الفقهي
قبل البحث في المستند الفقهي للوصية الواجبة (الفقرة الثانية) لابد من معرفة حقيقتها (الفقرة الأولى).
الفقرة الأولى: تعريف الوصية الواجبة وشروطها
أولا: تعريف الوصية الواجبة
-(1الوصية في اللغة : 
يقصد بالوصية في اللغة الوصل يقال وصيت الليلة باليوم أوصلها ، فكأن الموصي لما أوصى بالشيء وصل ما بعد الموت بما قبله في نفوذ التصرف  لأن الموصي يصل بها ما كان في حياته بعد مماته أو لان الموصي يصل خير دنياه بخير أخرته  لقول النبي  صلى الله عليه وسلم  في الحديث الشريف الذي رواه مسلم في صحيحه ( إذا مات ابن ادم انقطع عمله الا من ثلاث: صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له )[6].
وقد وردت في القرآن الكريم بمعان مختلفة ومنها الإيصاء أي العهد الذي هو فعل الموصى  لقوله تعالى في سورة العنكبوت الآية 03 (ووصينا الإنسان بوالديه )،كما وردت بمعنى اسم المفعول،قال تعالى في سورة النساء الآية 15 (من بعد وصية يوصي بها او دين)،كما وردت بمعنى الأمر في سورة البقرة الآية 130 قال تعالى  (وأوصى بها إبراهيم بنيه) وبمعنى الفرض والوجوب كما في قوله تعالى في سورة النساء الآية 10 ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين).
 2)- الوصية في اصطلاح:-
  للوصية في اصطلاح الفقهاء تعاريف  مختلفة باختلاف مذاهبهم لكنه يبقى مجرد  اختلاف شكلي لا يمس الجوهر والمضمون فقد عرفها ابن عرفة في حدوده بكونها " عقد يوجب حقا في ثلث مال عاقده يلزم بموته او نيابة  عنه بعده " وعلى العموم  تبقى الوصية في مفهومها  أنهاتصرف في التركة مضاف لما بعد الموت ) وبالنسبة للقانون المغربي فقد عرفتها المادة 277 من مدونة الأسرة للوصية بقولها "أن الوصية عقد يوجب حقا في ثلث مال عاقده يلزم بموته"   الشيء الذي يجعلها قد تبنت تعريف ابن عرفة أعلاه.
وهذا التعريف ينطبق على الوصية بمفهومها العام ويشمل الوصايا بمختلف أنواعها أما الوصية الواجبة على وجه التخصيص فإنها تستمد مفهومها من هذه التعاريف يضاف إليها ما تنفرد به من أحكام فقد عرفها محمد الزحيلي على "أنها نصيب من التركة يستحقه حفدة الميت الذين مات أبوهم او أمهم قبل أصله أو مات معه وجوبا بحكم قانوني بضوابط وشروط خاصة([7])  ،و عرفها أستاذنا عمرو لمزرع في كتابه الشعاع الفائض في علم الفرائض فقها و عملا بأنها وصية مالية تابثة للأحفاد في تركة جدهم أو جدتهم مما ينوبهم في حصة أبيهم أو أمهم الذي توفي قبل أو مع أبيه أو أمه .
ومن خلال هذا التعريف يتبين لنا أن الوصية الواجبة تكون لبعض الأقارب غير الوارثين (أولاد الابن، وأولاد البنت) وأنها لا تحتاج في تنفيذها إلى إنشاء من وجبت عليه، فإن أنشاها  باختياره وإرادته نفذت ، وإن تركها كانت واجبة بحكم القانون.
ثانيا: شروط استحقاق الوصية الواجبة
تنص المادة 371 من مدونة الأسرة على أنه " لا يستحق هؤلاء الأحفاد وصية، إذا كانوا وارثين لأصل موروثهم جدا كان أو جدة أو كان قد أوصى لهم أو أعطاهم في حياته بلا عوض مقدار ما يستحقون بهذه الوصية الواجبة، فإن أوصى لهم بأقل من ذلك وجبت تكملته، وإن أوصى بأكثر كان الزائد متوقفا على إجازة الورثة، وإن أوصى لبعضهم فقط، وجبت الوصية للآخر بقدر نصيبه على نهج ما ذكر".
ويتبين من خلال هذه المادة أن شروط الوصية الواجبة هي([8]):
الشرط الأول: كون الحفيد غير وارث
اشترطت هذا الشرط كل القوانين التي أخذت بالوصية الواجبة منها مدونة الأسرة في المادة 371([9])لأن الوصية وجبت للحفيد عوضا له عما كان يستحقه من ميراث أصله لو بقى حيا  فإذا كان وارثا ولو مقدارا  قليلا فلا تجب له الوصية، كما إذا مات  رجل عن زوجته وبنت ابن توفي في حياة أبيه، فإن بنت الابن تأخذ السدس فرضا مع البنت تكملة للثلثين([10])، قال أبو زهرة ألا يكون الفروع الذين مات أصلهم في حياة أحد أبويهم وارثين فإن كانوا وارثين ولو مقدارا قليلا لا تجب لهم  الوصية([11]). والوصية باعتبار ارث الأحفاد وعدمه لها سبع حالات يرثون في أربع ويسقطون في ثلاث فيستحقون الوصية الواجبة :
1-    الذكر يرث بالتعصيب واحدا كان أو متعددا، إذا لم يحجب بابن أعلى منه.
2-    الأنثى إذا كانت واحدة ترث بالفرض النصف، إن لم تكن مع البنت أعلى منها.
3-    الأنثى إن تعددت يشتركن في الثلثين بالفرض إن لم تكن مع بنت أعلى منها.
4-    الأنثى إن كانت مع بنت أعلى منها ترث بالفرض السدس تتمة للثلثين.
5-    الذكر يسقط مطلقا إذا كان مع ابن أعلى منه.
6-    الأنثى إذا  كانت مع ابن أعلى منها تسقط مطلقا واحدة كانت أو متعددة.
7-    الأنثى إذا كانت مع البنتين فأكثر تسقط بشرط ألا يكون معها ابن مساو لها أو أسفل منها ".
ولا تجب للأحفاد الوصية في القانون إلا في حالات السقوط وعدم الإرث، أما الحالات التي ورثوا فيها فإنهم لم يستحقوا فيها شيئا من التركة، ويأخذون نصيبهم  من الإرث فقط دون الوصية الواجبة، سواء كان هذا الإرث أقل أم أكثر من الوصية الواجبة([12]).
الشرط الثاني: كون الحفيد غير مستفيد من التركة
اشترطت هذه المادة أيضا ألا يكون جد الحفدة أوصى لهم أو أعطاهم بلا عوض (هبة- أو صدقة...) قبل وفاته بمثل ما يستحقه من الوصية الواجبة([13])، أو باعهم بيعا صوريا بلا ثمن بمقدار ما يستحقه بالوصية([14])وطبعا إن أوصى لهم بأقل من ذلك وجبت لهم التكملة، وإن بأكثر كان الزائد متوقفا على إجازة الورثة، وإن أوصى للبعض دون البعض الآخر كانت الوصية الواجبة لهذا البعض الآخر بقدر نصيبه([15])والوصية  الواجبة باعتبار استفادة الحفدة من الميراث خمس حالات:
1-    ألا يعطيهم الجد شيئا، فتجب لهم الوصية قانونا .
2-    أن يعطيهم ما يستحقونه فلا تجب لهم الوصية الواجبة.
3-    أن يعطيهم أكثر مما يستحقونه، فيكون لهم حكم الوصية الاختيارية فإن تجاوز الثلث تعلق على إجازة الورثة أو رفضهم كما سبق.
4-    أن يعطيهم أقل مما يستحقون، فيجب لهم إكمال باقي حصتهم على أساس الوصية الواجبة.
5-    أن يعطي البعض دون البعض، فتجب الوصية لمن لم يعطى([16]).
الشرط الثالث: موت وارث الحفدة قبل أصله أو معه.
نصت المدونة في المادة 369([17])على اشتراط موت والد الحفدة أو والدتهم قبل أصله أو معه، والوصية باعتبار هذا الشرط على ثلاثة أقسام:
1-    موته  بعد أصله، فيستحق ورثته كلهم أبناء أو غيرهم حصته كلها إرثا عنه لا وصية واجبة.
2-    موته قبل أصله، فتجب الوصية لأولاده الذكور والإناث معا حسب القانون المغربي والمصري، أو الذكور فقط حسب القانون السوري.
3-    موته مع أصله في حادثة كالغرق، وحوادث السير والزلازل، فتجب لأولاده الوصية مثل موته قبله([18]).
الشرط الرابع :عدم مجاوزة الوصية الواجبة الثلث
نصت كل التشريعات العربية  التي أخذت بالوصية الواجبة على اشتراط عدم مجاوزتها  لثلث التركة، وكذلك فعلت مدونة الأسرة  في المادة 370([19])،  وإلا ردت حصتهم إلى الثلث وبطل الباقي لأن الوصايا محدودة بالثلث فإن تجاوزتها تعلق نفاذها بإجازة الورثة الرشداء([20]).               
الفقرة الثانية: التأصيل الفقهي للوصية الواجبة
ينطلق الحديث عن المستند الفقهي للوصية الواجبة من قوله تعالى: )كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين، فمن بدله بعد ما سمعه فإن إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم) [21]
 قال جمع من أئمة الفقه والحديث من صحابة وفقهاء تابعين أن الآية في وجوب الوصية، وأنها نسخت الوصية للوالدين والأقربين الوارثين فقط، وبقى العمل بالوصية لغير الوارثين. وهو قول الحسن البصري وسعيد بن المسيب، ومسروق وطاووس والضحاك، وأحمد بن خليل وداوود الظاهري وابن راهوية وابن حزم [22]، ومع قولهم بأن آية الوصية لم تنسخ، اعتبروا أن عدم العمل بها أمر ديني، وأن الإنسان يأثم ديانة بتركها، أما الإمام ابن حزم فقد ذهب وحده إلى القول بأن الوصية واجبة ديانة وقضاء، فإن لم ينشئها الموصي لأقربائه الذين لا يرثون وجبت على الورثة لقوله تعالى: )إذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه [23] فإن امتنع الورثة من إخراجها، كان لولي الأمر ذلك، دون أن يحدد ابن حزم نصابا معينا وترك تحديد نصابها إلى اجتهاد ولي الأمر بحسب تصوره حسب ظروف التركة وعدد من يستحقون العطية.
ومن آراء ابن حزم استمد القانون المغربي والقوانين العربية الأخرى كالقانون المصري والسوري والكويتي والليبي مبدأ الوصية الواجبة.
المطلب الثاني: الوصية الواجبة في القانون المغربي وإشكالية تزاحمها مع الوصية الإرادية  .
من خلال هذا المطلب سنحاول التطرق إلى مستحقي الوصية الواجبة و مقدارها( الفقرة الأولى)على ان نعالج إشكالية تزاحمها  مع الوصية الإرادية (الفقرة الثانية )
الفقرة الأولى: من يستحق الوصية الواجبة ومقدارها في القانون المغربي
اولا : مستحقو الوصية الواجبة
نصت المادة 372 من مدونة الأسرة على ما يلي:                                                     
"تكون هذه الوصية لأولاد الابن وأولاد البنت ولأولاد ابن الابن وإن نزل واحدا كانوا أو أكثر للذكر مثل حظ الانثيين، يحجب فيها كل أصل فرعه دون فرع غيره ويأخذ كل فرع نصيب أصله فقط".
يتبين انطلاقا من هذه المادة أن المشرع المغربي وسع دائرة المستفيدين من الوصية الواجبة فبعد أن كانت مدونة الأحوال الشخصية تحصرها في أولاد الابن فقط أصبحت في ظل مدونة الأسرة تشمل أولاد البنت على الشكل التالي :
أ: أولاد الابن وإن نزلوا أو ما يصطلح عليهم بأولاد الظهور في القانون المصري وهم من لم يكن في اتصالهم بالموروث أنثى.
ب: أولاد البنت ذكورا أو إناثا وينحصرون في الطبقة الأولى من أبناء البطون بالمفهوم الحنفي
وقد اختلف المشرع المغربي مع القوانين التي نصت على الوصية الواجبة بخصوص من يستحق الوصية الواجبة، حيث نجد أن القانون السوري([24])أوجبها فقط لأولاده الظهور وإن نزلوا.
كما نجد أن الوصية الواجبة يستحقها أولاد الظهور وأولاد البطون مطلقا وإن نزلوا وهذا ما قال به القانون الجزائري مفهوما والقانون الإماراتي منطوقا([25]).
وبهذا يتبين لنا أن القوانين كلها اتفقت على أن الأحفاد من الإبن- وإن اختلفت المصطلحات الشرعية في تسميتهم - يستحقون الوصية الواجبة مطلقا وإن نزلوا أما الحفدة من البنت فقد اختلفوا في مسألة استحقاقهم للوصية الواجبة([26]).
وبالرجوع إلى المادة 372 نجد أن مدونة الأسرة جاءت بمستجد فيما يخص الوصية الواجبة وهو أنها أوجبت للطبقة الأولى من أولاد البنت ذكورا وإناثا وفي تطبيق ذلك قضت محكمة النقض"... بأن المطلوبين أثبتوا وفاة والدتهم سنة 1975، رسم الإراثة المشار إليها، كما أثبتوا وفاة جدهم من أمهم في 19/2/2004 بموجب شهادة الوفاة المذكورة أي بعد تطبيق المدونة- والمحكمة لما اعتمدت على هذين المستندين باعتبارهما مستندين رسمين ولم يطعن فيهما وقضت باستحقاق المطلوبين للوصية الواجبة في جدهم من أمهم باعتباره توفي بعد تطبيق مدونة الأسرة، فإنها تكون بذلك قد بنت قضاءها على أساس"([27]).
كما نصت نفس المادة على أن الوصية الواجبة تقسم بينهم على أساس قاعدة التفاضل، أي للذكر مثل حظ الانثين وهذا ما يميز الوصية الواجبة على الوصية الاختيارية وحيث أن هذه الأخيرة تقسم بالتساوي بين الموصي لهم إلا أن يصرح الموصى بالتفاضل، غير أن التنزيل فالأصل فيه أن يكون بالتفاضل شأنه شأن الوصية الواجبة، إلا أن يصرح المنزل- كسرا- بالمساواة فيكون التنزيل حينئذ كالوصية الاختيارية([28]).
إضافة إلى قاعدة التفاضل نجد قاعدة الحجب حيث نصت نفس المادة على أن كل أصل يحجب أولاده وفروعه دون أولاد غيره ولو كانوا أسفل منه في الدرجة التي ينتسب من خلالها إلى الميت وذلك وفقا للقاعدة التي تقول "كل من أدلى إلى الميت بشخص لا يرث بوجود ذلك الشخص، إلا الأخوة لأم" وللقاعدة" من كان ببطن أقرب يقدم على الذي كان ببطن أبعد"([29]).
ثانيا : مقدار الوصية الواجبة
نصت المادة 370 من مدونة الأسرة على أن "الوصية الواجبة لهؤلاء الأحفاد تكون بمقدار حصتهم مما يرثه أبوهم أو أمهم عن أصله المتوفى على فرض موت موروثهم إثر وفاة أصله المذكور على أن لا يتجاوز تلت التركة" يتبين من خلال هذه المادة أن الوصية الواجبة لهؤلاء الحفدة والحفيدات تكون بمقدار نصيبهم مما كان يستحقه أبوهم أو أمهم عن أصله المتوفى على فرض موته بعد وفاة أبيه أو أمه أي على فرض تحقق شرط الإرث المتمثل في وفاة الابن أو البنت بعد وفاة الأصل بمعنى أننا نعتبرهما في العمل التمهيدي كأنهما توفيا بعد وفاة الجد أو الجدة ونمضي في العمليات الفرضية على هذا الأساس([30])من هنا يتبين أن مدونة الأسرة لم تترك الوصية الواجبة دون تحديد وإنما حددت لها حد أقصى لا يمكن تجاوزه وهو الثلث من التركة فإن كانت حصة من تجب لهم أكثر من ذلك حصرت في الثلث كسائر الوصايا.
وإن كان أقل من ذلك أعطوا ما يستحقون ويتمثل الحد الأدنى للوصية الواجبة بمقدار الحصة التي كان سيرثها موروثهم عن أصله المتوفى لو بقي حيا.
وقد عرفت مقتضيات الفصول 266 و267 من مدونة الأحوال الشخصية الملغاة والتي تقابلها المواد 369 و370 من مدونة الأسرة خاصة عبارة" بمقدار حصتهم" الواردة في القانونين تفسيرا متباينا عند التطبيق وينطلق الخلاف من طرح السؤال التالي "هل يعطي للحفدة نصيب أبيهم وأمهم اللذان كان يستحقانه من تركة أصله أو أصلها لو قدرت حياتهما أم أن نصيب الحفدة يتحدد حسب حصتهم في مسألة أبيهم أو أمهم؟
فذهب رأي أول([31])إلى أن نصيب مستحقي الوصية الواجبة يكون بمقدار سهم أبيهم أو أمهم  لا بمقدار سهمهم مما يرثه أبوهم أو أمهم، أي أن ما يرثه الابن المتوفي (أو البنت المتوفاة) سيوزع فقط على أولاده دون باقي ورثته الآخرين وبالتالي استخراج الوصية الواجبة عن طريق سلوك عملية التنزيل بالمساواة والتي تصير فيها الفريضة عائلة.
في حين يذهب الرأي الثاني ويمثله الدكتور الغازي الحسيني رحمه الله  إلى القول بأن مقدار الوصية الواجبة هو مقدار الحصة التي يرثها الأحفاد من الحصة التي يرثها أبوهم من جدهم أو من جدتهم على فرض أنه بقي حيا بعد أبيه أو أمه (أو جدة أو جدته) وليس مقدار الوصية الواجبة هو جميع الحصة التي يرثها والد الأحفاد من أبيه أو أمه لأن القانون المغربي لم يطبق عليها مقدار التنزيل بالمساواة بل حددها بمقدار آخر يساويه أو يكون أقل منه ،والقول بخلاف ذلك أي حول الوصية الواجبة من حصة الابن المتوفى مع وجود من يرثه بالفرض فيه تضييع لورثة الأصل في جزء ميراثهم([32]).
 وعلى هذا الرأي الثاني صار قضاء محكمة النقض حيث جاء في أحد قراراتها. "يكون نصيب الأحفاد بمقتضى الوصية الواجبة مساويا لنصيبهم في والدهم فيما يرثه من جدهم على فرض تأخير وفاته عليه فنصيب الطاعنة باعتبارها الوارث الوحيد لوالدها هو النصف فيما يرثه من والده وليس جميع الحصة التي كان سيرثها  لقوله تعالى: "وإن كانت واحدة فلها النصف"، إن الفصل 269 من مدونة الأحوال الشخصية يتعلق ببيان حكم اقتسام الوصية الواجبة بين الأحفاد وما يتعرض له عمود نسبهم من حجب الأصل لفرع دون فرع غيره واختصاص كل فرع لم يحجب بأصله بما ينوب أصله ولا منافاة بين هذا الفصل والفصل 267 الوارد قبله لاختلاف أحكام كل منهما([33]).
إضافة إلى ذلك نجد أن المشرع المغربي قد عبر عن رأيه في الدليل الرسمي الذي أعدته وزارة العدل بخصوص هذه الإشكالية ، وهو أن يعطى  الحفيد مقدار ما كان سيرثه في أبيه لا مقدار ما كان سيرثه أبوه في أبيه الذي هو جد الحفيد([34]).
الفقرة الثانية: إشكالية اجتماع الوصية الواجبة مع الوصية الإرادية .
إن اجتماع الوصية الواجبة مع الوصية الإرادية في فريضة واحدة قد يأتي على شكلين:
 اجتماع الوصيتين للأحفاد والأسباط الذين توفي أبوهم أو أمهم قبل أو مع وفاة أصلهم دون غيرهم أو اجتماعهما معا إضافة إلى موصى لهم  آخرين، وفي كل ذلك إما أن يتسع ثلث التركة لكل الوصايا وإما أن يضيق عن الإتساع لها جميعا، وفي هذه الحالة إما أن يجيز الورثة الزائد عن الثلث أو يرفضوا  إجازته وإما أن يجيزه  البعض ويمتنع البعض الآخر وإما ان تكون الإجازة جزئية للبعض دون الآخر كما يمكن ان ينصب المنع عن البعض دون  البعض الآخر.
ففي الحالة الأولى حيث تجتمع الوصية الإرادية والوصية الواجبة للأحفاد والحفيدات دون غيرهم كأن يوصي الجد أو الجدة لأحفاده وحفيداته  الذين توفي والدهم أو أمهم بجزء من التركة ثم يموت الجد أو الجدة، ويثبت لهؤلاء الأحفاد أو الحفيدات حقهم في  الوصية الواجبة بحكم القانون، فإن الحكم في هذه الحالة ما نصت عليه المادة 371([35])من مدونة الأسرة، أي أنه إذا كان جدهم أو جدتهم أوصى (ت) لهم أو أعطتهم في حياتها بلا عوض مقدار ما يستحقون بالوصية  الواجبة ، فالعمل على ما تضمنته الوصية الإرادية أو العطية ولا عمل حينئذ بالوصية الواجبة ,وإن كانت الوصية  لهم بأقل ما يستحقونه بالوصية الواجبة وجبت تكملته, وإن كانت الوصية بأكثر من الثلث  كان الزائد متوقفا على إجازة الورثة، وإن أوصت لبعضهم فقط وجبت الوصية الواجبة للآخر بقدر نصيبه على نحو ما ذكر، فإن بقيت بقية بعد أخذ كل حفيد أو حفيدة ما يستحقه بالوصية الواجبة، وكانت وصية أو عطية الجد تتضمن أكثر مما يستحقه الحفيد أو الحفدة بالوصية الواجبة استحق الموصى له البقية في حدود الثلث ما لم يجز الورثة أو الحفدة الآخرون عند الاقتضاء الزائد على الثلث([36])وخلاصة القول إذا زادت قيمة الوصية الإرادية على قيمة الوصية الواجبة نفذت الوصية الإرادية في حدود الثلث فيتحصل أنه عند اجتماع الوصيتين تنفذ الوصية الأكثر قيمة([37]).
أما في الحالة الثانية: حيث تكون الوصية لأشخاص مختلفين ومن ذلك أن تكون الوصية الإرادية لشخص وتجب الوصية الواجبة للأحفاد والحفيدات ويضيق الثلث عن حمل الوصيتين ويرفض الورثة إجازة الزائد عن الثلث، فهل تعتبر هذه الوصايا متساوية في الرتبة حيث يتحاصص أهلها فيما بينهم في ثلث التركة أم يقدم بعضها على البعض الآخر؟
بما أن مدونة الأسرة لم تتعرض إلى هذه المسألة بالبيان فإن حاصل أقوال الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:.
الرأي الأول: يذهب إلى القول بأن الأولوية للوصية الواجبة ثابتة وتستخرج قبل الوصية الإرادية بما فيها التنزيل ولو بدون نص صريح فهي من باب تحصيل الحاصل ومن تطبيقات المبادئ العامة التي تطبق ولو بدون نص لأن القانون وصفها بالواجبة التي تخرج من التركة وجوبا بقوة القانون وإن لم تستغرق الوصية الواجبة الثلث فإن الباقي تتزاحم فيه الوصية الإرادية بالمحاصة ما لم يجز الورثة الرشداء ما تعدى الثلث([38])ويظهر أن هذا الرأي تأثر كثيرا بما ذهبت إليه بعض قوانين الأسرة في الدول العربية التي نصت صراحة على أن الوصية الواجبة مقدمة على سائر الوصايا الأخرى كالقانون المصري([39])والقانون السوري([40]).
والحال أن المشرع المغربي تعمد عدم النص على أن الوصية الواجبة مقدمة على الوصية الاختيارية وهو بفعله ذاك يكون قد ترك  باب التفسير والتأويل  مفتوحا للعمل القضائي وللفقه من أجل معالجة هذه الإشكالية حسب ظروف كل نازلة على حدة.
الرأي  الثاني: يذهب الأستاذ محمد رياض إلى القول بأن الوصية الإرادية أولى بالتقديم عند التزاحم مع الوصية الواجبة لأن الوصية الإرادية واجبة بنص قطعي وهو قوله تعالى: "من بعد وصية يوصي بها أودين" ([41]). في حين أن الوصية الواجبة وجب تشريعها بقانون وضعي بناء على اجتهاد مضطرب ويحاول الأستاذ محمد رياض تأصيل المسألة على أساس الفصل 297 من مدونة الأحوال الشخصية التي تقابله المادة 400 من مدونة الأسرة التي تحيل إلى الراجح والمشهور أو ما جرى به العمل من مذهب الإمام مالك فيقول بما أن من أصول المذهب كتاب الله الكريم وفيه قول الله تعالى: "من بعد وصية يوصي بها أودين" والمفسرون متفقون على أن المقصود بالوصية هي الوصية الإرادية لا غيرها  وبالتالي فإن الحكم في هذه المسألة هو الراجح في المذهب لقوة دليله إذ ليس أقوى من نص الكتاب فكيف نؤخر ما نص عليه القرآن وأراده الرحمان ونقدم ما اضطرب فيه فهم الإنسان وأن الوصية الواجبة شيء عارض طارئ على الأمة والأصل في الأمور العارضة العدم حتى إذا زالت من المدونة بقي الأصل وهو الوصية الإرادية بما فيها التنزيل([42]).
والواقع أن هذا الرأي ينطلق من رفضه المبدئي لتقنين الوصية الواجبة ومن تعصبه للمذهب المالكي والحال أن السياسة الشرعية متغيرة في المكان متطورة في الزمان وأن منهجية التقنين تجيز لولي الأمر أن يتخير من مختلف المذاهب المعتبرة ما فيه مصلحة الأمة من أحكام وقواعد فالفقه في منظور منهج التقنين مذهب واحد.
ولم يخرج المشرع المغربي في تقنينه للوصية الواجبة عن المذاهب الفقهية الإسلامية ومذهب ابن حزم الذي أخذت عنه الوصية الواجبة محترم وله موقع بين المذاهب([43]).
الرأي الثالث: يذهب هذا الرأي إلى القول أنه على مستوى القواعد والنصوص القانونية فإن مدونة الأحوال الشخصية سابقا أو مدونة الأسرة حاليا لم تنص على تقديم إحدى الوصايا على الأخرى، بل فضلت السكوت عن الإشكال ولم تعالجه بالطريقة التي عولج بها في القوانين العربية الأخرى وذلك على الرغم من أن هذه الإشكالية مطروحة بحدة في الواقع العملي مع العلم أن المدونة خضعت للتعديل والتغيير مرتين سنة 1993 وسنة 2004 فلو كانت نية المشرع المغربي أن تقدم الوصية الواجبة لأخذ نصها منذ البداية عن القانون السوري أو المصري أو لعمد إلى تعديلها   سنة 1993 أو 2004 وهي السنة التي عرفت تغيير شاملا في نصوص المدونة، وحيث أنه لم يفعل دل على أنه يريد شيئا آخر غير تقديم إحدى الوصايا على الأخرى ويبدو أن هذا الفهم هو الذي اقتنع به واضع الدليل العملي([44])لمدونة الأسرة وذهب إلى اعتبار الوصايا الثلاث في مرتبة واحدة وأوجب تطبيق مقتضيات المادة 302([45])من المدونة المتعلقة بالتحاصص في الثلث وبالتالي العمل به([46]).
لكن الملاحظ من خلال الإطلاع على عمل محكمة النقض (المجلس الأعلى سابقا) أنها انتصرت  للرأي القائل بأسبقية الواصية الواجبة عن الوصية الإختيارية  والتنزيل وهو الإتجاه الذي ظل مستقرا عليه سواء في ظل مدونة الأحوال الشخصية الملغاة أو مدونة الأسرة الحالية  ومن ذلك القرار عدد 1175 الصادر بتاريخ 27/12/2001 في الملف عدد 43962-1-97  الذي جاء فيه " بأنه من المقرر بمقتضى الفصل 266 من مدونة الأحوال الشخصية أن الوصية الواجبة مقدمة في التنفيذ على  جميع الوصايا الإختيارية ،وهي بهذا الوضع تعتبر واجبا أصليا على أساسه يقدر ما يستحقه المستفيد من الوصية الإختيارية ،فإن كان مساويا لحظه من الوصية الواجبة أخذه وإلا وجبت تسويته معها زيادة أو نقصانا وأجاز الورثة ما زاد ،والمحكمة لما أعملت رسم التنزيل دون أن تأخذ بعين الإعتبار حظوظ المطلوبين في النقض بالوصية الواجبة التي هي دون القدر الذي ينوبهم بالتنزيل تكون قد أساءت تطبيق الفصل 268 المذكور وعرضت قرارها للنقض "، وهو نفس الإتجاه الذي أعادت تأكيده  بعد دخول مدونة الأسرة حيز التطبيق من خلال قرارها عدد 155 الصادر بتاريخ 17مارس 2007 في الملف الشرعي عدد 510-2-1-2006 الذي جاء فيه " لكن حيث إن الأصل الشرعي للوصية الواجبة على المشهور مقدمة على الوصية الإرادية ولو بدون نص صريح ،لأن القانون وصفها بالواجبة فتخرج من التركة وجوبا وبقوة القانون ،وأنه إذا لم تستغرق الوصية الواجبة الثلث فإن الباقي تتزاحم فيه الوصايا الإرادية بالمحاصة ما لم يجز الورثة الرشداء ما تعدى الثلث ،ومن تم فالمحكمة لما قضت تقديم الوصية الواجبة على الوصية الإرادية تكون قد بنت قضاءها على أساس له أصله في الفقه الراجح والقانون وعللت قرارها تعليلا كافيا ،وما بالسبب غير قائم على أساس" وهو نفس الإتجاه الذي أكدته في قرارها عدد 128 الصادر بتاريخ 21/2/2012 في الملف الشرعي عدد 177-2-1-2010  والذي بينت فيه حكم تزاحم الوصايا الإرادية ولو كانت بمعين أو بغير معين ،والتنزيل والوصية الواجبة  وقد جاء فيه " يجب على المحكمة أن تبحث في إخراج ثلث التركة على أن يكون المعين للوصية الإرادية  ضمنه باعتباره مخصصا للوصايا سواء كانت بمعين أو بغير معين وللتنزيل كذلك ،أو الوصية الواجبة باعتبارها مقدمة قانونا ثم بعد ذلك تقدم أصحاب الوصية الواجبة في أخذ حقوقهم من الثلث المذكور خارج المعين للوصية الإرادية إن أمكن وإن فضل شيء عن ذلك كان لأصحاب الوصية الإرادية على أن يكون في المعين ما أمكن ، ولما لم تراع هذه القواعد الفقهية فقد جاء قرارها غير معلل تعليلا صحيحا وهو بمثابة انعدامه وعرضه  للنقض."والمحكمة باستقرار اجتهادها المتواتر هذا تكون قد أرست القاعدة وحسمت الخلاف وعبدت الطريق لمحاكم الموضوع بخصوص احقية الوصية  الواجبة وأولويتها مقارنة مع باقي الوصايا الأخرى والتنزيل إن وجد. 
 وبالنظر للطابع العملي للوصية الواجبة فإن الإشكاليات السابق طرحها لن ترفع عنها الجهالة إلا بسياقة بعض الأمثلة التطبيقية حتى لا يبقى موضوع المناقشة موضوعا نظريا مجردا وهو ما سوف نعالجه من خلال التطبيقات التالية .
تطبيقات حول اجتماع الوصية الواجبة مع الوصية الإرادية
المثال 1: حول اجتماع الوصية الواجبة والإرادية بما زاد عن الثلث واعتبارهما في مرتبة واحدة.
توفيت امرأة عن بنتها وبنت ابنها وبنت ابن ابنها وأخيها الشقيق وكانت قد أوصت بالثلث لشخص آخر غير وارت.
ففي هذا المثال ترث البنت النصف وترث بنت الابن السدس استكمالا للثلثين والباقي يرثه الأخ الشقيق تعصيبا، أما بنت ابن الابن فلا شيء لها لأنها محجوبة بالبنت وبنت الابن فقد استكملت الثلثين لكن مدونة الأسرة قد أوجبت لها وصية واجبة، كما أن الهالكة قد أوصت بالثلث لشخص آخر غير وارت وبالتالي فقد اجتمعت هذه الوصية بالوصية الواجبة ولتصحيح هذا المثال فإن أول عمل نقوم به هو معرفة مقدار الوصية الواجبة .
أولا: تحديد مقدار الوصية الواجبة (العمل التمهيدي)            
                                                                                                   1                                                                                                                                                


3
1
3
4

8
36


2
6
3
9



2/1
ع


ح
بنت
1
3
2
3
-

12
بنت ابن
1
1

1
أخت شقيقة
3
7
ابن ابن

2
-
2
ت 2


أخ شقيق

-
-
-
-
-
-

موصى له 3/1


1
3
-
-
12





2/1
بنت
4
4





8/1
زوجة
1
1

في العمل التمهيدي نعتبر أب البنت حيا وتجري عملية المناسخة لتحديد مقدار الوصية الواجبة.
مقدار الوصية الواجبة هو 36/4 =  9/1 مما كان يرث الأب لو بقي حيا.
ثانيا: عمل الوصية الإرادية
نقوم بإعادة الورثة من غير النظر إلى ابن الابن المتوفى ويعطي لكل وارث نصيبه  تم تصحح الوصيتين بتوحيد مقامهما.


.                                                    4            3                                                                                                                                  


6
9/12
36
2/1
بنت
3
8
12
6/1
بنت ابن
1
4
ع
أخ شقيق
2

8

بنت ابن الابن 9/1
-
1
3
موصى له ب 3/1
-
3
9

فبين 3 و9 التداخل نكتفي بأكبرهما فهو رأس مسألتها لصاحب الوصية الواجبة واحد ولصاحب الوصية بالثلث ثلاثة وبجمع الوصيتين الإرادية والواجبة تكون النتيجة 4 = 3+ 1 وهو ما يفوق  ثلث تسعة الذي هو 3 مما يعني أن الثلث لا يسع للوصيتين ولذلك يجب إعمال قاعدة التحاصص بينهما في الثلث.
لأجل هذا ترد الوصيتين إلى ثلث التركة وذلك بأن يعتبر مجموعها الذي هو 4 هو الثلث فيضرب في ثلاثة والناتج هو 12 هو رأس مسألة الوصية.
تم بعد ذلك الجامعة المشتركة وذلك بالنظر بين الباقي من رأس مسألة الوصية والذي هو 8 ورأس مسألة الورثة 6 نجد بينهما توافقا في النصف فنأخذ نصف الباقي وهو 4 ونضعه فوق رأس مسألة الورثة أي فوق 6 ونضع نصف 6 فوق رأس مسألة الوصية فوق 12 ثم نضربه فيها والحاصل هو 36 به تصح المسألة بوصيتها بعد ذلك من له شيء آخذه مضروب فيما فوقها كما هو مبين في الجدول أعلاه.
المثال الثاني: حول اجتماع الوصية الواجبة والإرادية بما زاد عن الثلث وأولوية الوصية الواجبة في الاستخراج.
نبقى على المثال السابق:
بنت وبنت ابن وأخ شقيق ووصية واجبة مقدارها 9/1 ووصية إرادية مقدارها 3/1
والفريضة تستخرج وفق الجدول التالي:




1
1

6
9
9
2/1
بنت
3
6
3
6/1
بنت ابن
1

1
ع
أخ شقيق
2

2

بنت ابن الابن 9/1
1
1

موصى له ب 3/1
2
2
تحليل الفريضة:
كالمعتاد قمنا بتأصيل فريضة ورثة الأصل وجاء أصلها من 6 للبنت 3 وبنت الابن 1 والأخ الشقيق 2، ثم استخرجنا عملية الوصيتين فكان أصلها من 9 لوجود تداخل بين المقامين حيث أخذنا الأكبر، فأخذ صاحب الوصية الواجبة من تسعة 1 وأخذ صاحب الوصية الإرادية الباقي إلى حدود الثلث وثلث 9 هو 3 وصاحب الوصية الواجبة أخذ 1 إذن بقي لصاحب الوصية الإرادية 2.
بعد ذلك لاستخراج الجامعة المشتركة نقارن بين الباقي من رأس مسألة الوصية 6 رأس مسألة الورثة نجد توافقا في السدس نأخذ سدس الباقي وهو 1 نضعه فوق رأس مسألة الورثة وسدس رأس مسألة الورثة وهو 1 نضعه فوق رأس مسألة والوصية وتقوم بضرب هذا الآخر في ما فوقه والحاصل هو 9 به تصح المسألة بوصيتها بعد ذلك من له شيء من المسألتين أخد مضروب فيما فوقها كما هو مبين في الجدول أعلاه.
ملحوظة: نفس الأمر يسري إذا قمنا باستخراج الوصية الإرادية أولا.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                       
المبحث الثاني : إشكالية سريان الوصية الواجبة من حيث الزمان .
  كما سبقت الإشارة إليه فإن المشرع المغربي لم يشذ في سنه للوصية الواجبة عن التشريعات المقارنة الأخرى  ونخص بالذكر التشريع المصري الصادر سنة 1946 والتشريع السوري الصادر سنة  1953، والتشريع التونسي الصادر سنة 1956، فكل هذه التشريعات جاءت لتأكيد العمل بالوصية الواجبة سيرا مع المثل العليا للشريعة الإسلامية [47]، وهكذا قصرت مدونة الأحوال الشخصية المغربية الوصية الواجبة على الأحفاد من خصوص ابن الهالك ولو كان الابن غير مباشر ، في حين تم حرمان أبناء البنت منها بحجة أنهم من ذوي الأرحام ، وأنهم تبعا لقواعد الميراث لا يرثون مع وجود أصحاب الفروض والعصبة ، وهو نفس موقف القانون السوري الذي حصر بدوره الوصية الواجبة بأولاد الابن وان نزل دون أولاد البنت والذي استمد بدوره أحكام الوصية الواجبة من القانون المصري [48]
 إلا انه وأمام تنامي المطالب النسائية الهادفة إلى المساواة في جميع الحقوق ،وتلافيا للانتقادات الموجهة لمدونة الأحوال الشخصية ، عملت مدونة الأسرة على توسيع دائرة المستفيدين من الوصية الواجبة ، حيث أشركت الأسباط مع الأحفاد فيها وفقا للشروط المحددة سلفا في المواد: 369 إلى 372 ،وبدأ العمل بها ابتداء من 05/02/2004.[49]
وهكذا أصبحت الوصية الواجبة بمثابة التزام مشروع ،أوجبه القانون لفائدة الحفدة [50]، إلا انه كلما ألغيت قاعدة قانونية ، أو نسخت وحلت محلها قاعدة أخرى ، ثار التنازع بين كل من القاعدتين لمعرفة الحد الفاصل بين نطاق تطبيق القاعدة الملغاة أو المنسوخة والقاعدة الجديدة التي حلت محلها ، بالنسبة للأوضاع والآثار القانونية التي ابتدأت في ظل القاعدة الأولى وظلت مستمرة في ظل القاعدة التي حلت محلها، وهذا ما يصطلح عليه " بنطاق تنازع القوانين من حيث الزمان" أو بالأخص "نطاق تطبيق القاعدة القانونية من حيث الزمان " وهو من الاشكاليات المهمة التي ظهرت مع بداية تطبيق الوصية الواجبة.
وفي موضوعنا الحالي تطرح الوصية الواجبة عدة إشكاليات تخص تطبيقها من حيث الزمان والسبب في ذلك راجع إلى تداخل مجموعة من الوقائع المادية والتصرفات القانونية التي نشأت في ظل القانون القديم وامتدت آثارها إلى حين دخول القانون الجديد حيز التطبيق ،كما أن مقتضيات المادة 369 من مدونة الأسرة  على  وضعيتها الحالية مكونة من شقين الأول تمت صياغته بمقتضى قانون  مدونة الأحوال الشخصية التي كانت تقتصر فيها الوصية الواجبة للأحفاد من جهة الإبن فقط  ثم التعديل الذي طالها في شقها الثاني الذي وسع دائرة المستفيدين إلى الأحفاد والحفيدات من جهة البنت  وهي بدورها أدت إلى ظهور مجموعة من الإشكاليات  من قبيل أن   تحديد تاريخ أحقية استفادة الأحفاد من البنت إلى جانب الأحفاد من الابن من الوصية الواجبة، مثال ذلك أن وفاة والد أو والدة الأحفاد وكذا جدهم أو جدتهم تمت في ظل القانون القديم المقصود به طبعا مدونة الأحوال الشخصية الملغاة ثم تم التراخي في قسمة التركة أو إقامة رسم الإراثة او موجب التركة  إلى حين دخول مدونة الاسرة القانون الجديد حيز التطبيق فطالب الإحفاد من جهة الأم بنصيبهم في الوصية الواجبة إلى جانب الأحفاد من جهة الإبن ،أو تقدموا بالمطالبة بحقهم من الوصية الواجبة في مواجهة الورثة مباشرة في حالة عدم وجود الأحفاد من الإبن فامتنع هؤلاء من تمكينهم من نصيبهم ،أو في حالة وفاة والدهم أو والدتهم في ظل القانون القديم في حين لم يتوفى جدهم او جدتهم إلا بعد دخول القانون الجديد حيز التطبيق .
،وهذه الإشكاليات ازدادت تعقيدا أمام سكوت النص القانوني عن تحديد تاريخ سريان الوصية الواجبة في مدونة الأسرة بكيفية دقيقة الشيء -الذي نتج عنه تضارب فقهي وقضائي واكب بداية تطبيق فصول المدونة في هذا الباب – مما لا يسعنا إلا الإحتكام إلى القواعد القانونية العامة المؤطرة لسريان القاعدة القانونية من حيث الزمان لمحاولة الجواب على هذه الاشكالية.
والملاحظ ان مجموع هذه الإشكاليات  تنتظم تحت سؤال عريض واحد يقتضي الجواب عنه  تحديد نوع  الوقائع المنشئة للحق في الإستفادة من الوصية الواجبة تحديدا دقيقا وتمييزا لها عن تلك  التي لا يعدو مفعولها أن يكون  مجرد  كاشف لهذا الحق  ولا تأثير له على تغيير المراكز القانونية  المكتسبة . 
لأجله وفي محاولة منا للإحاطة بمختلف هذه الإشكاليات ، اقتضت الضرورة بداية الأمر تحديد علاقة الوصية الواجبة بمبدأ عدم رجعية القوانين(المطلب الأول) لنتناول موقف العمل القضائي واهم الاجتهادات القضائية الصادرة في باب الوصية الواجبة ككل في( مطلب ثان).
المطلب الأول : الوصية الواجبة ومبدأ عدم رجعية القوانين :
يقوم تحديد نطاق تطبيق القاعدة القانونية من حيث الزمان على مبدأين أساسيين:
ـ المبدأ الأول : الأثر الفوري أو المباشر للقانون  EFFET IMMEDIAT=:
ومؤداه أن القانون يسري على الوقائع التي تحدث  من يوم نفاذه إلى يوم إلغائه لكن تاريخ النفاذ يمكن تفسيره على حالتين اثنتين :
الحالة الأولى : هي التي يتضمن فيها القانون تاريخ بدء سريانه بشكل محدد ودقيق مثال ذلك قانون مدونة الحقوق العينية الذي تضمن تاريخ بدء سريانه بشكل واضح وصريح وبالتالي رفع اللبس والإبهام.
الحالة الثانية هي أن يسكت النص القانوني عن تحديد تاريخ بدء سريانه بشكل صريح فيكون تاريخ سريانه هو تاريخ النشر في الجريدة الرسمية  .
وفي كلا الحالتين وحتى يرتفع الإشكال المثار بسريان القانون من حيث الزمان لا بد ان تكون الواقعة القانونية التي يعالجها النص واقعة بسيطة غير مركبة  وأن تكون مجردة عن الوقائع المركبة كما هو الحال في الوصية الواجبة.
ـ المبدأ الثاني : عدم رجعية القانون أو عدم سريان القانون على الماضي =PRINCIPE DE LA NON RETROACTIVITE DES LOIS:
ومؤداه أن القانون لا يسري على الوقائع التي تحدث قبل نفاذه[51].
ما دمت تتعلق بقواعد الموضوع والجوهر اما إذا كانت القواعد القانونية المتعلقة بالجانب الشكلي والمسطري فقط فإنها لا تتأثر بهذا المبدأ ما دامت لا تمس بالجوهر .
ومبدأ عدم رجعية القوانين هو مبدأ عام يهيمن على تطبيق القاعدة القانونية ويقصد به أن القانون الجديد لا يسري على الوقائع التي تمت قبل أن يصير نافذا لكون هذه الوقائع تظل خاضعة لأحكام  القانون القديم الذي وقعت في ظله سواء تعلقت هذه الوقائع بشروط قيام المركز القانوني أو تعلقت بآثاره التي تمت في الماضي،فمن المراكز القانونية ما لا يستغرق تكوينه أو انقضاؤه زمنا،كوفاة المورث فيصبح الوارث مالكا لأموال التركة بمجرد الوفاة ،إذ يتحدد مركز الوارث فور هذه الوفاة .
ومن هذه المراكز ما يستغرق تكوينه أو انقضاؤه فترة من الزمن، فإذا توافرت بعض عناصر تكوين او انقضاء المراكز القانونية دون البعض الآخر ، فان القانون الجديد لا يمس ما تم نشوؤه واستقر في وجوده منها فعلا ، وإنما يبقى مفعوله محصورا في الوقائع التي نشأت بعد نفاذه.
 فالمركز القانوني الناشئ عن الوصية مثلا لا يتكون إلا باجتماع عنصرين ، فلا بد من إبرام الوصية في مرحلة أولى،ثم تحقق وفاة الموصي لتمامها في مرحلة ثانية وهذه هي الواقعة الجوهرية التي تستحق بها الوصية  ،وعلى ذلك فالقانون الجديد الذي يصدر بعد إبرام الوصية وقبل وفاة الموصى ، لا يمس ما تم من إبرام الوصية ، وإنما يرجع في ذلك إلى القانون القديم ، أما بالنسبة لتمام الوصية فانه يرجع فيه إلى القانون الجديد تطبيقا للأثر المباشر للقانون ، وبذلك لا تكون الوصية نافذة في حق الورثة إلا في الحدود التي يسمح بها القانون الجديد[52].
ومبدأ عدم رجعية القانون كما هو معلوم  أصبح مكرسا بمقتضى مبدأ دستوري  إذ تم التنصيص عليه في دستور 2011 بشكل صريح الشيء الذي يلزم احترام مقتضياته .
وبالرجوع إلى التكييف القانوني للوصية الواجبة ، فهي بطبيعتها  قاعدة موضوعية تتعلق بالحق في النصيب من الإرث عن طريق الوصية ، الشيء الذي يجعل تساؤلنا حول مدى تأثرها  بهذه القاعدة مشروعا  ، وهل هي قابلة للتطبيق بأثر رجعي على الوقائع التي حدثت في ظل قانون قد ظل خاضعا لمقتضيات الفقه المالكي ، أو قانون قديم اقرها وجعلها حكرا على الأحفاد من الأبناء الذكور فقط دون الإناث، أم أنها تسري فقط على  كل ما قد يقع بعد نفاذه.
للإجابة على هذه الإشكاليات ، سنتطرق لمناقشة أربع فرضيات بارزة بهذا الخصوص وهي كالتالي :
أ ـ الفرضية الأولى : إذا كان مستحق الوصية الواجبة مات أبوه  قبل صدور القانون : وهي فرضية تطرح بدورها حالتين :
ـ الحالة الأولى : في ظل مدونة الأحوال الشخصية الملغاة :
وتتمثل في كون مستحق الوصية الواجبة ـ إي ابن الابن ـ مات أبوه بتاريخ قبل صدور قانون مدونة الأحوال الشخصية ،ذلك أن المشرع المغربي استحدث العمل بالوصية الواجبة بموجب الظهير الصادر بتاريخ 03/04/1958 في فصولها الملغاة 266،267،268و 269 وبدأ سريان العمل بها بتاريخ : 04/04/1958 ، بشكل يتطابق تطابقا يكاد يكون حرفيا لنصوص الوصية الواجبة في القانون السوري ، حيث أن كلا القانونين كانا يحصران الوصية الواجبة في أولاد الابن دون أولاد البنت [53]ففي هذه الحالة هل يستحق الحفيد ( ابن الابن) الوصية الواجبة علما أن والده توفي قبل تاريخ 04/04/1958 ،
 بالرجوع لمقتضيات  مدونة الأحوال الشخصية  التي نصت بشكل صريح في المادة 296 على أن جميع التركات التي لم تصف قبل نشر هذا القانون يجوز لورثتها أن يطالبوا بتطبيق أحكام هذه المدونة عليها "  وإذا كان ظاهر النص يشير إلى  أن وفاة الأب سواء تمت قبل او بعد دخول القانون حيز التطبيق لا تأثير له على حق الحفدة في الإستفادة من الوصية الواجبة ما دام ان العبرة هي بتاريخ تصفية التركة بشرط تحقق وفاة الجد أو الجدة بعد وفاة الأب وبعد دخول القانون حيز التطبيق إلا اننا نجد أن المجلس الاعلى قد سار في اتجاه مخالف رغم ظاهر النص في قراره عدد 8001 صادر بتاريخ 17دجنبر 1997 في الملف المدني عدد 1973|93 المشار اليه بتفصيل في المطلب الثاني بعده.
ـ الحالة الثانية : وتتلخص في كون مستحق الوصية الواجبة وفق المستجد الذي جاءت به مدونة الأسرة ـ أي أحفاد البنت -قد توفيت أمهم قبل صدور مدونة الأسرة بتاريخ : 05/02/2004.والجواب على هذه الإشكالية يقتضي التمييز بين ما إذا كان الجد اوالجدة قد توفيا قبل دخول  مدونة الأسرة حيز التطبيق او بعده , فالمسألة صريحة إذا ما تمت وفاة الجد قبل صدور مدونة الأسرة فإن الأحفاد من جهة الأم لا حق لهم في الوصية الواجبة لإنتفاء السند القانوني على خلاف ما إذا تمت وفاة الجد او الجدة بعد دخول القانون مدونة الأسرة حيز التطبيق  لصراحة المادة 369 وسندنا في ذلك ما انتهى اليه القرار عدد 390  الصادر عن محكمة النقض  (المجلس الأعلى سابقا) بتاريخ 31غشت 2010 ملف عدد 162-2-1-2009 المشار إليه في المطلب المتعلق بالعمل القضائي بعده.
ب: الفرضية الثانية : إذا كان مستحق الوصية الواجبة  مات أبوه بعد صدور القانون سواء قانون الأحوال الشخصية بالنسبة للحفدة من الإبن فقط  او قانون مدونة الأسرة بالنسبة للحفدة من جهة الإبن والبنت ، وهي حالة لا تثير الإشكال مادام أن كلا من المركز القانوني للحفيد والحق المترتب عليه قد آل إلى المستفيد بعد نفاذ القانون  وما دام أن تاريخ وفاة الجد او الجدة مفترض فيهما أنهما لاحقين لتاريخ وفاة الأب او الأم معا.
ب ـ الفرضية الثالثة : إذا كان مستحق الوصية الواجبة قد مات  جده أو جدته قبل صدور قانون مدونة الأسرة ولم تتم قسمة التركة إلا بعد دخول هذا القانون حيز التطبيق .
حيث ان الأصل في التركة انها تنتقل إلى الورثة بمجرد وفاة المورث وقياسا عليها فإن الوصية تنتقل  الى الموصى لهم –مبدئيا- بمجرد وفاة الموصي، بمعنى ان كلا من الوارث والموصى له ينشا لهما هذا الحق بمجرد ثبوت وفاة المورث او الموصي  و يصبح لهما المركز القانوني الذي يخول لهما اكتساب هذه الحقوق والدفاع عنها وان  تراخي تقسيم التركة الى حين دخول القانون الجديد حيز التطبيق ليس من شانه المساس بهذه الحقوق لكونها انتقلت بمجرد الوفاة وأن تقسيم التركة هو مجرد إجراء كاشف للحق ليس إلا.
وكمثال لذلك لو أن الجد او الجدة توفيا قبل دخول مدونة الأسرة حيز التطبيق وخلفا فريقين من الحفدة فريق من جهة الإبن وفريق من جهة البنت  وتم تأجيل تقسيم التركة إلى ما بعد دخول المدونة حيز التنفيذ فإن الأحفاد من جهة الإبن هم وحدهم من لهم الحق في الوصية الواجبة دون الأحفاد من جهة البنت وسندنا في ذلك ما انتهى اليه قرار محكمة النقض المشار اليه في المطلب الثاني من العمل القضائي .
د ـ الفرضية الرابعة :  إذا تم تأسيس رسم  الإراثة قبل صدور القانون آو بعده، وتستوي هذه الفرضية كذلك مع فرضية قسمة التركة آو تصفيتها قبل صدور القانون آو بعده ،فمن المعلوم أن الإراثة إذا كانت هي  الوثيقة المقبولة  لإثبات  واقعة وفاة الموروث وتاريخ وفاته وعدد الورثة فدورها لا يتعدى كونه مجرد مستند من المستندات التي تؤسس عليها دعوى القسمة ولا تأثير لها على اكتساب الحق في الوصية الواجبة من عدمه  الذي يرتبط وجودا وعدما بواقعة  وفاة الجد او الجدة  وهي بالتالي  وثيقة كاشفة لعناصر الحق وليست منشئة له ، وهو الرأي الذي يؤيده القرار الصادر عن محكمة الاستئناف بالبيضاء بتاريخ  15/11/1989 في الملف عدد 548/88 والذي جاء فيه " إن الإراثات غير منشئة للحق وإنما دور الإراثة ينحصر في إثبات وفاة الموروث وفي تاريخ وفاته وحصر ورثته أما الحق المتروك فينقل تلقائيا من السلف إلى الخلف العام بمجرد الوفاة ".
وعليه ، فان تاريخ انجاز الإراثة لا تأثير له على تحديد القانون الواجب التطبيق ، وان العبرة هي بتاريخ وفاة الموروث، لكون التركة تنتقل إلى الورثة بمجرد وفاة المورث كما هو منصوص عليه بمدونة الأسرة،  لكن ما موقف العمل القضائي من هذه الفرضيات وغيرها  من الإشكاليات التي تتار بمناسبة سريان قانون الوصية الواجبة من حيث الزمان؟[54]
المطلب الثاني : موقف العمل القضائي  من الإشكاليات المثارة بخصوص الوصية الواجبة .
سنتطرق في هذا المطلب لمجموعة من القرارات والتي كرست مبدأ عدم رجعية قانون الوصية الواجبة وسريانه ابتداء من تاريخ نفاذه، وهي قرارات تتوزع مابين مدونة الأحوال الشخصية سابقا ، ومدونة الأسرة حاليا .
أـ موقف العمل القضائي من سريان الوصية الواجبة من حيث الزمان في ظل مدونة الأحوال الشخصية :
1-جاء في إحدى  أهم قرارات المجلس الأعلى ما يلي :
"إن المشهور وما جرى به العمل في الفقة المالكي المعمول به في المملكة المغربية قبل العمل بمدونة الأحوال الشخصية هو الإرث بالتنزيل لا بالوصية الواجبة .
ـ إن المحكمة حينما ردت استئناف الطالب بعلة انه لا حظ له في الإرث بناء على الوصية الواجبة على اعتبار أن هذه الأخيرة لم يجر العمل بها إلا بتاريخ 04/04/1958 تاريخ نشر مدونة الأحوال الشخصية بالجريدة الرسمية بعد أن ثبت لها أن جدة الطاعن توفيت قبل تاريخ العمل بمقتضيات الفصل 266 وما بعده من القانون المذكور، تكون قد طبقت عن صواب المقتضيات المذكورة وركزت قرارها على أساس ".[55]
 وقد جاء في تعليل هذا القرار " إن محكمة الاستئناف عللت ما انتهت إليه بما يكفي بقولها ما مضمنه : لا حق للمستأنف في الإرث بناء على الوصية  الواجبة ، باعتبار أن هذه الأخيرة لم يجر العمل بها إلا بتاريخ 04/04/1958تاريخ نشر المدونة بالجريدة الرسمية ،وان الثابت من رسم الإراثة المستدل بها أن جدة الطاعن توفيت منذ 23 سنة سلفت عن 27/10/1975 تاريخ الإراثة المذكورة ، أي قبل العمل بمقتضيات الفصل 266 وما بعده من مدونة الأحوال الشخصية التي تعد من القوانين الموضوعية ولا يبدأ العمل بها إلا من تاريخ نشرها .
ومن جهة ثانية ، فان المشهور وما جرى به العمل في الفقه المالكي المعمول به في المملكة المغربية قبل العمل بمدونة الأحوال الشخصية هو الإرث بالتنزيل وليس بالوصية الواجبة ، مما يكون معه ما بالوسيلتين معا غير مرتكز على أساس .ونحن نتساءل عن عدم اعتماد القرار المذكور لمقتضى المادة 296 من مدونة الأحوال الشخصية الصريحة في مبناها؟؟؟.
ـ موقف مدونة الأسرة من سريان الوصية من حيث الزمان :
لقد ظل العمل القضائي من خلال تطبيق مقتضيات مدونة الأسرة وفيا لما سار عليه في ظل مدونة الأحوال الشخصية بخصوص سريان قانون الوصية الواجبة ابتداء من تاريخ نفاذه، باعتباره قانون موضوعي ولما له من صلة بالنظام العام.
وهكذا توالت القرارات التي كرست نفس المنحى، ومن أهمها القرار الصادر عن محكمة النقض بتاريخ 20/10/2008 في الملف الشرعي عدد 112/08 والذي جاء فيه " ....إذا كان للقانون الموضوعي أثر فوري ويطبق على الأحداث والوقائع التي حدثت في ظله وابتداء من تاريخ نفاذه، فليس من شأن هذه القاعدة  أن تنال من الحقوق المكتسبة في ظل القانون القديم .
تأسيسا على ذلك ، تطبق مقتضيات المادة 369 من مدونة الآسرة بأثر فوري باعتبارها قانونا موضوعيا ، ومن ثمة وجب استبعاد تطبيقها بأثر رجعي على التركة التي انتقلت إلى الورثة قبل دخول المدونة الجديدة حيز التنفيذ بما في ذلك من مساس بالحقوق المكتسبة من طرف الورثة ".[56]
وجاء في قرار أخر[57]" إن مدونة الأسرة لم تدخل حيز التطبيق إلا بتاريخ 5/2/2004 ومادامت العبرة في تطبيق قوانين الموضوع بتاريخ عرض النزاع على المحكمة ، وان رفع الدعوى كان في 16/07/2003 أي قبل سريان القانون الجديد للآسرة ، فان المحكمة لم تخرق أي مقتضى قانوني ، بل طبقت مبدأ عدم رجعية القوانين الموضوعية فكان بالسببين بدون  أساس ".
وفي القرار الصادر بتاريخ 31/08/2010 تحت عدد 390 جاء فيه " مادام الجد الموروث قد توفي في وقت كانت فيه مدونة الأسرة الشخصية الملغاة سارية المفعول والتي لم تكن تسمح مقتضياتها للحفدة من البنت من الاستفادة من الوصية الواجبة على غرار ما ورد بالمادة 369 من مدونة الأسرة ، فانه لا يسوغ تخويل هؤلاء حقوقا في تركة الجد والتي انتقلت إلى ورثته في ظل القانون القديم لما في ذلك من مساس بحقوقهم المكتسبة .
 و أن عدم إجراء قسمة للتركة بين الورثة لا تأثير له على استحقاق الوصية الواجبة من عدمه لان الحقوق المتعلقة بالتركة تنقل إلى الورثة بمجرد الوفاة لا وقت القسمة "[58].
وقد جاء في تعليل هذا القرار بأنه " إذا كان للقانون الموضوعي اثر فوري ويطبق على الأحداث والوقائع التي حدثت في ظله وابتداء من تاريخ نفاذه، فانه ليس من شان هذا التطبيق أن ينال من الحقوق المكتسبة في ظل القانون القديم ، فان كان  البين من أوراق الملف أن جد الطالبين  لامهم الحاج احمد عبيا قد توفي خلال سنة 1966 وفي وقت كان فيه قانون مدونة الأحوال الشخصية هو الساري المفعول والتي لم تكن تسمح مقتضياته لأبناء البنت من الاستفادة من الوصية الواجبة على غرار ما ورد بالمادة 369 من مدونة الأسرة ، الذي أصبح نفاذها ساريا ابتداء من 5/2/2004، فلا يسوغ تطبيق مقتضيات هذه المادة على التركة التي انتقلت إلى الورثة خلال سنة 1966 في ظل مدونة الأحوال الشخصية الملغاة ، لما في ذلك من مساس بالحقوق المكتسبة في ظلها ، وان عدم قسمة التركة لا تأثير له لان الحقوق المتعلقة بها تنتقل إلى الورثة بمجرد الوفاة ،  وما يتمسك به الطالبون بشأن الفصل 296 من مدونة الأحوال الشخصية الملغاة لا أساس له لانعدام وجود نص مماثل في مدونة الأسرة ، مما يجعل الوسيلة بدون أساس.
 وفي القرار عدد 139 بتاريخ 1/4/2009 [59]" يعتبر في تطبيق المقتضيات الجديدة الواردة بمدونة الآسرة المعلقة باستحقاق الأحفاد من البنت للوصية الواجبة إلى جانب الأحفاد من الابن تاريخ وفاة الجد لا تاريخ قسمة تركته ".
وجاء في تعليله " لكن حيث انه طبقا لمقتضيات الفصل 369 من قانون المسطرة المدنية، تكون محكمة الإحالة مقيدة بالنقطة القانونية التي بت فيها المجلس الأعلى ، والبين من قراره عدد 302 المذكور انه قضى بنقض وإبطال القرار المطعون فيه بعلة أن القانون لا يطبق إلا على الأحداث والوقائع التي وقعت  بعد دخوله حيز التنفيذ، وان وفاة جد الطالب بتاريخ 3/1/85 وقبل دخول مدونة الآسرة حيز التنفيذ يجعل تطبيق مقتضيات المادة 369 منها غير سائغ استنادا إلى الأثر المباشر والفوري للقانون والمحكمة لما التزمت في قرارها بهذه النقطة القانونية وأعرضت عن مناقشة ما أثاره الطالب في الوسيلة تكون قد طبقت الفصل 369 المذكور لان العبرة في تطبيق المادة 369 من مدونة الأسرة بتاريخ وفاة الجد لا بتاريخ قسمة تركته مما يجعل الوسيلة بدون أساس "
وهكذا يستخلص تبعا لما سبق بيانه أعلاه ، بان الوصية الواجبة هو قانون موضوعي يسري بأثر مباشر على الوقائع التي حدثت بعد نفاذه، وانه لا تأثير لأية وقائع أخرى من قبيل تاريخ إنشاء الإراثة ، آو تاريخ قسمة التركة،أو تاريخ وفاة والدي الأحفاد  ، على تحديد نطاق تطبيقه ، في حين تظل واقعة الوفاة جد او  جدة الأحفاد او الحفيدات هي الواقعة الوحيدة المنشئة للحق وبالتالي  المعتمدة  لتحديد القانون الواجب التطبيق  وفي ذلك تطابق مع القواعد العامة المتعلقة باستحقاق الحقوق المتعلقة التي تنتقل إلى الورثة بمجرد وفاة الموروث .



خاتمة:
لا شك أن تنظيم مدونة الأسرة لأحكام الوصية الواجبة بصورتها الحالية ساهم في سد فراغ تشريعي كبير تمثل في رفع الحيف عن المرأة من خلال مساواتها في استفادة أبنائها على غرار أبناء الرجل من حقهم في تركة أجدادهم وجداتهم، لكن نظرة المشرع لم تكن بذلك الإتساع الذي يرسم مساحة اجتهادية قادرة على استيعاب أكبر عدد من المستفيدين من الوصية الواجبة  ليشمل من لايرث من الوالدين بسبب مانع اختلاف الدين وكذا الزوجة الكتابية خصوصا أمام تنامي ظاهرة الزواج المختلط في المجتمع المغربي وفي ذلك بلا شك تطابق تام مع الفلسفة التشريعية التي أسست عليها أحكام الوصية الواجبة ودليل قاطع على دينامية وحركية الشريعة الإسلامية  وصلاحيتها لكل زمان ومكان كلما أسست على قواعد الإجتهاد العقلاني والمتفتح.
كما أن هذا الفتح الحقوقي الكبير الذي حققه المشرع المغربي سرعان ما ظهرت محدوديته وقصوره التشريعي على مستوى صياغة المواد القانونية المنظمة له من قبيل الإشكاليات التي سبق التطرق لها ،والذي أكد استمرار ضعف الصياغة التشريعية للنصوص القانونية  لدى المشرع المغربي إذ نجده في تبويبه لمواد الوصية الواجبة قد عالجها  ضمن الكتاب المتعلق بالميراث والحال أن مكانها الطبيعي كما يدل على ذلك إسمها هو كتاب الوصية رفعا للإلتباس الذي قد يقع في أذهان الكثيرين خصوصا وان لكل مؤسسة أحكامها وخصائصها التي تميزها عن الأخرى .
كما يلاحظ أن المشرع المغربي أحال في كثير من الأحكام المتعلقة بالوصية الواجبة على الفقه المالكي والحال أن هذا الأخير لم يتناولها لا تعريفا ولا تنظيما ,في حين انه استمد أحكامها من المذهب الظاهري الذي يتعين الرجوع إليه  الشيء الذي يؤكد ان الإحالة المنصوص عليها في  المادة 400 من مدونة الأسرة هي إحالة عامة وغير دقيقة كما هو الشان في عدد كبير من مواد المدونة.
ومن جهة أخرى لابد من إضافة نصوص قانونية جديدة تتناول أحكام الوصية الواجبة التي لم يتم التطرق إليها بشكل واضح وجلي استدراكا لما تم إغفاله، ورفعا لكل لبس، ولكل تضارب واختلاف في التطبيق قد يفرع هذه النصوص من محتواها التشريعي ويهدر بالتالي مكتسبات حقوقية كبيرة طالما تم انتظارها كما لا بد لمحكمة النقض باعتبارها قمة هرم المشهد القضائي من السعي إلى تفعيل دورها في توحيد الاجتهاد القضائي في مادة الوصية الواجبة وفق رؤية اجتهادية متمعنة تضمن الإنسجام بين منطلقات النص الفقهي ومرامي وأهداف النص القانوني وتنظر إلى الفقه الإسلامي كوحدة متكاملة لا كمذاهب متفرقة تفاديا للفتنة العلمية القائمة على التعصب ، وتوجهها هذا بلا شك ينطوي على  استقرار وثبات القاعدة القانونية وبالتالي يضمن سيادة  الأمنين القانوني والقضائي.
تم بتوفيق من الله














لائحة المراجع: 
o      الكتب  العامة والخاصة:
§     شرح مدونة الأسرة في إطار المذهب المالكي وأدلته، عبد الله ابن الطاهر السوسي الثنائي، ج 5 الوصية الواجبة.
§     عبد الكريم شهبون الشافي في شرح مدونة الأسرة.
§     عبد الرحمان بلعكيد علم الفرائض والمواريث والوصية، طبعة الأولى من الإصدار الجديد 2012 .
§     الشيخ محمد مصطفى الشابي، أحكام الوصايا و الأوقاف،الطبعة الرابعة
§     محمد أبو زهرة، أحكام التركات والمواريث.
§     محمد أبو زهرة، شرح قانون الوصية المصري.
§     شدرات في الوصية الواجبة بين الممارسة والنظرية أستاذ عبد السلام حادويش.
§     الدكتور العلمي الحراق، الوصية الواجبة وتطبيقاتها الإرثية وفق مدونة الأسرة ، طبعة الأولى 2012.
§     حماد العراقي، الوثائق العدلية وفق مدونة الأحوال الشخصية.
§     الغازي الحسيني، مختصر علم الفرائض والحقوق الإرثية.
§     الأستاذ عمرو لمزع، الشعاع الفائض في علم الفرائض فقها وعملا، ط 2 ،2006.
§     عبد الرحمان بلعكيد، علم الفرائض والواريث، طبعة الثالثة، سنة 1995.
§     مجمد رياض، أحكام المواريث بين النظر الفقهي والتطبيق العلمي الطبعة الأولى 1998.
o    المقالات والندوات:
o                   حسن منصف، الوصية الواجبة علما وعملا وفي تزاحمها مع باقي الوصايا، دراسة فقهية قانونية.

o               النصوص القانونية والاتفاقيات الدولية:
§        مدونة الأسرة.
§        الدليل العلمي لمدونة الأسرة.
§        مدونة الأحوال الشخصية.
§        بعض القوانين العربية التي تخص الوصية.
§        الإتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الطفل سنة 1993.
§        اتفاقية سيداو للقضاء على كل أشكال التميز ضد المرأة.



[1] -  ديباجة مدونة الأسرة كما صاغها وزير العدل السابق محمد بوزبع، بتصرف
[2] - من المعاهدات المصادق عليها من طرف المغرب في هذا الباب اتفاقية حقوق الطفل، لسنة 1993 واتفاقية سيداو للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
[3] - تنص المادة 2 من اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1993 المصادق عليها من طرف المغرب على، تحترم الدول الأطراف الحقوق الموضعة في هذه الاتفاقية وتضمنها لكل طفل يخضع لولايتها دون أي نوع من أنواع التمييز بغض النظر عن عنصر الطفل أو والديه أو الوصي القانوني عليه أو لونهم أو جنسهم...
ينص الجزء الأول.2. 3: من اتفاقية سيداو تشمي الدول الأعضاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة وإدراج مبدأ المساواة بين المرأة والرجل في دساتيرها وقوانينها الأخرى.

[4] - قال الله تعالى في سورة البقرة الآية 180
"كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين فمن بدله من بعدما سمعه فإنها إتمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم".
[5]  - الشعاع الفائض في علم الفرائض فقها وعملا للدكتور عمرو لمزرع، الطبعة الثانية، الصفحة 192 بتصرف مطبعة أنفو برانت 12 شارع القادسية الليدو فاس.
[6]  - محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي مختار الصحاح مادة وصى المطبعة العثمانية القاهرة ط 1311 ه.
[7] - الشافي في شرح مدونة الأسرة عبد الكريم  شهبون ط 2، ص 393.
[8] - عبد الرحمن بلعكيد – علم الفرائض المواريث والوصايا- ط 1 من الإصدار الجديد 2012، ص 422.
[9] - عبد الله بن طاهر – شرح مدونة الأسرة في إطار المذهب المالكي وأدلته- مرجع سابق، ص 159.
[10] - الشيخ محمد مصطفى شلبي- أحكام الوصايا والأوقاف- الطبعة 4- دار الجامعية للطباعة والنشر- ص 235.
[11] - أحكام التركات والمواريث لمحمد أبو زهرة- م 1394 هـ، دار الفكر العربي 1993، ص 341.
[12] - عبد الله ابن طاهر، شرح مدونة الأسرة في إطار المذهب المالكي وأدلته، مرجع سابق، ص 159-160.
[13] - عبد الله ابن طاهر- مرجع سابق، ص 160.
[14] - الشيخ محمد مصطفى شلبي أحكام الوصي  والأوقاف- مرجع سابق، ص 235.
[15] - الأستاذ عبد السلام حادويش الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بسطات، شدرات في الوصية الواجبة بين الممارسة والنظرية من منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية ص 204.
[16] - عبد الله بن طاهر، مرجع سابق، ص 160.
[17] - المادة 369 من الأسرة التي تنص على "من توفي وله أولاد ابن أولاد بنت ومات الابن أو البنت قبله أو معه وجب لأحفاده هؤلاء في ثلث تركته وصيته بالمقدار والشروط الآتية.
[18] - عبد الله ابن طاهر، المرجع السابق، ص 161.
[19] - المادة 370 من مدونة الأسرة: تنص على أن "الوصية الواجبة لهؤلاء الأحفاد تكون بمقدار حصتهم مما يرثه أبوهم أو أمهم عن أصله المتوفى على فرض موت موروثهم إثر وفاة أصله المذكور على أن لا يتجاوز ذلك ثلث التركة".
[20] - عبد الله ابن طاهر، مرجع سابق، ص 160.
[21]  - سورة البقرة الآية 180.
[22]  - وهبة الزحيلي الفقه الإسلامي وأدلته طبعة دار الفكر ,ج 8 ص 122.
[23]  - سورة النساء آية 8
[24] - انظر قانون الأحوال الشخصية السوري المادة 479.
[25] - نص قانون الأسرة الجزائري المادة (169) "من توفي وله أحفاد وقد مات مورتهم قبله أو بعد وجب تنزيلهم منزلة أصلهم في التركة" كما نص قانون الأحوال الشخصية الإماراتي في المادة 272 على الوصية الواجبة تكون لأولاد البنت وأولاد الابن وإن نزلوا".
[26] - عبد الله السوسي الثناني، "شرح مدونة الأسرة في إطار المذهب المالكي وأدلته" مرجع سابق، ص 162-163.
[27] - قرار المجلس الأعلى عدد 535 الصادر في 24-10-2007 ملف عدد 605-2-1-2006 أشار إليه حسن منصف في مقال له بعنوان الوصية الواجبة علما و عملا وفي تزاحمها مع باقي الوصايا .منشور بسلسلة موسوعة القضاء والقضاء المغربي .
[28] - العلمي الحراق الوصية الواجبة وتطبيقاته الإرثية وفق مدونة الأسرة" م.س، ص 48.
[29] - شرح مدونة الأسرة، عبد الله سوسي الثاني، في إطار المذهب المالكي وأدلته، م.س، ص 164.
[30] - الوصية الواجبة وتطبيقاتها الإرثية وفق مدونة الأسرة العلمي الحراق، مرجع سابق، ص 77.
[31] - حماد العراقي، الوثائق العدلية وفق مدونة الأحوال الشخصية مطبقة النجاح الجديدة الدار البيضاء، ص 103.
[32] - الغازي الحسيني، مختصر على الفرائض والحقوق الإرثية منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية 1982 ص 151
- عبد الرحمن بلعكيد علم الفرائض والمواريت، مطبعة النجاح الجديدة، ط 3، س 1995، ص 277 وما بعدها.
[33] - قرار المجلس الأعلى، عدد 805 بتاريخ 28/5/1985 مجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 37 و 38، ص 122.
[34] - الدليل العلمي لمدونة الأسرة- وزارة العدل، مطبعة فضالة العدد 1، 2004، ص 217 وما بعدها.
[35] - تنص المادة 371 من مدونة الأسرة "لا يستحق هؤلاء الأحفاد وصية، إذا كانوا وارثين لأصل موروثهم جدا كان أو جدة، أو كان قد أوصى لهم أو أعطاهم في حياته بلا عوض مقدار ما يستحقون بهذه الوصية الواجبة، فإن أوصى لهم بأقل من ذلك وجبت تكملته وإن أوصى بأكثر كان الزائد متوقف على إجازة الورثة، وإن أوصى لبعضهم فقط، وجبت الوصية للآخر بقدر نصيبه على نهج ما ذكر.
[36] - العلمي الحراق، م.س، ص 53-54.
[37] - الغازي الحسني، مختص علم الفرائض، م.س، ص 157.
[38] - عبد الرحمان بلعيكيد، ص 27 وما بعدها.
[39] - تنص المادة 78 من قانون الوصية المصري أن: "الوصية الواجبة مقدمة على غيرها من الوصايا..."
[40] - العلمي الحراق، م.س، ص 55.
[41] - سورة النساء، الآية 11.
[42] - محمد رياض أحكام المواريث بين النظر الفقهي والتطبيقي العملي، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، طبعة أولى سنة 1998، ص 252 وما بعدها.
[43] - دراسة فقهية وقانونية في الوصية الواجبة فقها وعملا وفي تزاحمها مع باقي الوصايا، حسن منصف –مرجع سابق.
[44] - دليل عملي لمدونة الأسرة ص 17 منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية (سلسلة الشروح والدلائل) العدد 1-2004- مطبعة فضالة، المحمدية، المغرب.
[45] - تنص المادة 302.
[46] - العلمي الحراق، م.س، ص 56-57.
[47] -  شذارت في الوصية بين الممارسة والنظرية ـ عبد السلام حادوش منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية صفحة205.
[48] -شرح مدونة الأحوال الشخصية المغربية ، عبد الكريم شهبون ، الجزء الثاني  ص 358.

[49] - وهو تاريخ نشرها بالجريدة الرسمية عدد 5184 بتاريخ : 05/02/2004 .

[50] -قضاء الأحوال الشخصية والميراث ، سلسلة المعارف القانونية  والقضائية الجزء 1 ص 62
[51] ـ المدخل لدراسة القانون الجزء الأول ـ الدكتور إدريس العلوي العبدلاوي ـ الصفحة 650
[52] -المدخل  لدراسة القانون الجزء الأول ـ الدكتور إدريس العلوي العبدلاوي ـ الصفحة 663.

[53] -الوصية الواجبة علما وعملا وفي تزاحمها مع باقي الوصايا للدكتور ـ  حسن منصف  ـ  صفحة 6 .

[54] - قرار منشور بمجلة المحاكم المغربية عدد 60 ص 142 ومايليها .

[55] - قرار عدد 8001 صادر بتاريخ 17/12/1997 في الملف المدني عدد 1973/93 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى  العدد
المزدوج 53ـ54 صفحة 180 وما يليها .

[56] - قرار منشور بمجلة " في رحاب المحاكم" عدد 3 صفحة 131 وما يليها .
[57] - قرار صادر بتاريخ 1/2/2006 تحت عدد 6 في الملف الشرعي عدد 150/05 منشور بمجلة المناهج القانونية عدد 9 و 10 صفحة 245 وما يليها
[58] - قرار عدد 390 صادر بتاريخ 31/08/2010 منشور بمنجلة قضاء النقض عدد 75 ص 150 وما يليها .
[59] - قرار عدد 139 بتاريخ 1/4/2009 تحت عدد 139 في الملف عدد 524/08.
منشور بنشرة قرارات المجلس الأعلى غرفة الأحوال الشخصية والميراث صفحة 159 وما يليها

شاركنا بتعليقك...

التعليقات



، اشترك معنا ليصلك جديد الموقع اول ً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

احصائيات الموقع

جميع الحقوق محفوظة

علوم قانونية وادارية

2010-2019